كتابات | آراء

حديث الإثنين: ماذا قال الرئيس عبدالرحمن الإرياني للملك فيصل..؟!

حديث الإثنين: ماذا قال الرئيس عبدالرحمن الإرياني للملك فيصل..؟!

سبق لي أن أشرت إلى ما تضمنه هذا المقال من معلومات وإن كانت مقتضبة ولكن بمناسبة صدور الجزء الثالث من مذكرات القاضي عبدالرحمن الارياني رئيس المجلس الجمهوري الأسبق-

رحمه الله أحببت أن أتوسع نسبيا خاصة بعد أن أكد صاحب المذكرات الحقائق التي وردت سابقا ،كان القاضي الإرياني يرفض التدخل السعودي نهائيا ويعترض عليه مع أن المرحلة التي حكم فيها كانت تعد من أصعب المراحل التي مر بها الشعب اليمني لما شهدته من تعقيدات وتحقيق السلام فيها والمصالحة الوطنية وتثبيت النظام الجمهوري رغم الالتفاف على مبادئ ثورة 26سبتمبر الستة والتي تحولت إلى شعار نتغنى به ولم تنفذ على ارض الواقع من الناحية العملية.
لقد ظل القاضي عبدالرحمن الارياني طيلة فترة حكمه يصارع ما كان يستجد من أحداث ويعمل على لملمة الجراح وبحكمته وصبره أستطاع أن يقرب بين وجهات النظر وتبايناتها المخيفة التي كانت أحيانا تؤدي الى انفجار الوضع سواء على مستوى ما كان يعرف بالشمال أو بين الشمال والجنوب سابقا، وحين أصرت السعودية على بقاء حكومة القاضي عبدالله الحجري المعروف بتشدده إزاء من كانوا يحملون افكارا يسارية وتقدمية كانت تزعج السعودية ويصفهم بالشيوعيين بينما كان القاضي الإرياني ينظر إليهم على أنهم: ابناؤنا مسلمون ولا يمكن أن يكونوا ملحدين وإنما لهم وجهات نظر سياسية واقتصادية وهذه الرؤية لا تمس المعتقد الديني كما كان يتصور القاضي عبدالله الحجري والذي كانت له سياسة ترى غير ذلك في تعامله مع القوى الوطنية اليسارية لأنه يتمتع بثقافة دينية متشددة لها نهجها وسياستها إضافة إلى أن القاضي الحجري ونائبه محمد احمد محمد نعمان تصرفا من ذات نفسيهما عندما قاما بالتوقيع على تجديد معاهدة الطائف الحدودية لعشرين سنة قادمة دون تفويض من رئيس المجلس الجمهوري وهو الأمر الذي جعل القاضي الإرياني يطلب من حكومة الحجري تقديم استقالتها بينما النظام السعودي أصر على بقائها واستمرارها فأضطر القاضي عبدالرحمن الارياني للقيام بزيارة للسعودية في الأول من ديسمبر عام 1973م كما ذكر اللواء حسين المسوري رئيس هيئة الأركان العامة حينها في مذكراته: أوراق من ذكرياتي، وكان شاهدا على ما دار في اللقاء الذي جمع القاضي الإرياني بالملك السعودي الراحل فيصل بن عبدالعزيز وعقب هذا الاجتماع اتخذت السعودية قرارها بالتخلص من نظام القاضي الإرياني بواسطة انقلاب قام به الشهيد إبراهيم الحمدي بالاتفاق مع السعودية في 13 يونيو عام 1974م والذي اختلف هو الآخر مع السعودية بسبب تدخلها في الشأن اليمني الداخلي ودفع حياته ثمنا لمعارضته التدخل السعودي.
يقول اللواء حسين المسوري بدأ الاجتماع بين الرئيس الإرياني والملك فيصل بعتب أخوي على المملكة لأن مساعدتها كانت محدودة جدا ولم تحقق الآمال التي كان يحلم بها اليمنيون كما شرح الرئيس موقفه من القوى السياسية التي يثار حولها جدل واسع وكيف يتعامل معها بصدر رحب لأن المعلومات التي تبلغ الى المملكة فيها مبالغة وتسيء لعلاقة البلدين وتشوه صورة الحكم الرشيد للقاضي الإرياني الذي نادى بالسلام وحققه والذي دعا أيضا إلى أهمية العلاقة مع السعودية في كل المراحل والحرص عليها لكن الحاقدين كانوا يثيرون مخاوف السعودية من الرئيس الإرياني مع القوى الجديدة التي يتعامل معها بحنكة الزعيم الحكيم والأب الحريص على أبنائه، ويقول: كما تحدث الرئيس الإرياني بعتب شديد عن تعامل السعودية مع بعض المسؤولين اليمنيين مباشرة وتجاهل السلطة الشرعية في صنعاء وطلب من الملك فيصل التوقف عن المساعدات المالية المعتمدة لبعض الشخصيات السياسية والقبلية التي أصبحت مسؤولة في الدولة وعدً الاستمرار في تسليم الميزانيات لتلك الشخصيات مساسا بسيادة الدولة وقد كان يكرر هذه العبارة في كل اجتماعاته  وتطرق الرئيس الإرياني لأول مرة بالحديث عن أهمية التعامل مع الدولة اليمنية ومؤسساتها حرصا على سلامة العلاقة مع المملكة ورأى ان الدعم المالي لهذه الجهات أو الأشخاص يؤثر على علاقة اليمن بالسعودية وأن التعاون الاقتصادي والمالي يجب أن يتم بين الحكومتين والقيادتين وأبدى الرئيس رفضه الشديد أن تكون اليمن الشمالي ممرا لأي نشاط عسكري ضد الشطر الجنوبي سابقا.
 ويتابع اللواء المسوري: كانت هذه المواضيع الشائكة والصعبة والهامة التي تحدث عنها فخامة الرئيس مع جلالة الملك وكنت الشخص الوحيد الذي حضر هذا اللقاء الهام وفي هذا الاجتماع كان الملك فيصل مصغيا لحديثه وكان منفعلا لسماع ما شرحه الرئيس وظهر على ملامحه بأن هذه المواضيع التي طرحت عليه لا يراها مناسبة وتحتاج إلى مراجعة ودراسة ولم يعلق الملك على تلك المواضيع من دون التشاور مع إخوانه ومستشاريه، وهذا اللقاء المهم والتاريخي من أهم اللقاءات في تاريخ علاقات اليمن بالسعودية وكان موقف القاضي الإرياني موقفا تاريخيا يسجل له في انصع صفحاته لصدقه مع الملك فيصل وحرصه على كرامة شعبه وسيادة الوطن، وحسب رواية الشاهد الوحيد الذي حضر اللقاء اللواء حسين المسوري فقد ظهرت انفعالات الملك فيصل بإمساك عباءته شمالا ويمينا في إشارة ودلالة واضحة على عدم رضاه عما سمعه من الرئيس الإرياني وبعد الاجتماع يقول اللواء المسوري أبديت ملاحظاتي لفخامة الرئيس بلغة الابن لأبيه وقلت له: فخامة الرئيس لقد كنت مستعجلا في طرح كل النقاط مرة واحدة وربما كان التأني أفضل, فكان جوابه فوريا ومن دون تفكير حيث قال: لقد شرحت وأوضحت كل ما لدي ويقيني أن الملك فيصل يعرف عن اليمن كل كبيرة وصغيرة ونحن نريد منهم التعاون معنا في بناء الدولة وقطع الارتزاق ويكون بدلا عن ذلك مساعدة الدولة لنتغلب على الفقر الذي تعيشه اليمن ونرمم ما افسدته الحروب من اوجاع ومتاعب وخراب عبر سبع سنوات ونبني بلدنا بناءا حقيقيا.
هذا هو القاضي عبدالرحمن الارياني رئيس المجلس الجمهوري الأسبق والذين كانوا يشككون في حركة 5 نوفمبر 1967م التي تزعمها على أنها حركة رجعية وكذلك في مواقفه هم من المحسوبين على التيار اليساري والتقدمي الذين يرتمون اليوم في احضان الرجعية السعودية ووافقوا على شن العدوان على اليمن الذي انطلق من واشنطن والرياض وتل أبيب، أليست مفارقة عجيبة؟!.

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا