قراءة في واقع حال الجنوب

قراءة في واقع حال الجنوب

اتسع المدى الزمني للقضية الجنوبية فمنذ نشأتها الأولى الأكثر ظهورا في 2007م وحتى هذا التاريخ الذي نشهد فيه تمزيقا للجغرافيا من قبل تحالف العدوان على اليمن

وقد ترك ذلك الامتداد الزمني أثرا على النسيج الوطني والاجتماعي والثقافي بل وأصبح تهديدا حقيقيا للهوية الوطنية والحضارية والتاريخية وتهديدا للمستقبل المنظور. ولعله من معايب السياسة الكبرى في اليمن أنها توظف القضايا الجوهرية والحقيقية وتتركها للزمن دون أن تبتكر لها الحلول والمعالجات إلى أن تصل ذروتها فتصعب حينذاك المعالجة أو يتضاعف الثمن وهنا قد يهددنا العجز بالفشل والفشل قد يفضي إلى التيه والتيه هو الضياع الكبير الذي تصل إليه الأوطان في مراحل زمنية بعينها إذ أنه حدث في التاريخ القديم مثل الذي أصاب بني إسرائيل وحدث في التاريخ المعاصر وما أمر الصومال عنا ببعيد.
لقد وصلت القضية الجنوبية إلى مرحلة بالغة التعقيد فإذا كانت نشأتها حقوقية فإن ذروة اشتغالها الآن يتجاوز سقف مطالبها وهو من عوامل التشظي والانقسامات فالقول بفك الارتباط واستعادة دولة الجنوب قد يبدو في ظاهر شكله من المطالب المشروعة للجماهير إذا رأت تلك الجماهير أن مصالحها فيه ولكن حقائق الواقع وقانون التاريخ وظلاله العام يرى أن يقظة الهويات المحلية والهويات المجزأة في واقعنا اليمني لن تترك وراءها يمنا مستقراً.
وهنا أؤكد على يمنية اليمن الطبيعي لأنها لا تمنع شعب الجنوب اليمني أن يقرر مصيره ولن تكون عائقا له في مقاصده لكن تلك المقاصد لن تترك جنوبا يمنيا موحدا وبالتالي سيكون التنازع والتنازع يكمن في جوهره الفشل والفشل لن يترك اليمن الطبيعي مستقرا.
ومن اليقين بتلك الحقائق تبدأ الحلول بعيدا عن جوهر الانفعالات والأنا المضللة وبعيدا عن المناكفات والاشتغال السياسي المقيت الذي يعمل على تدمير اليمن ويرتهن للآخر ليكون معوله الذي يصنع الفواصل ويعزز من عوامل الانقطاع والفصل بين الذات الجديدة والذات الحضارية القديمة ذلك لأن الشعور بالفراغ من حالات الفصل الحضاري وهو العامل الذي جعل الارتهان للآخر أمرا ميسرا في الجنوب إذ تسهل فرضيات الهيمنة عليه وحالات الوصل الحضاري والثقافي من الأمور القاهرة التي تعمل على تمتين أواصر الانتماء بل وتعمل على تقوية مكونات الهوية وتفعيل عناصرها في المعادلة الوجودية وهو أمر قد يهدد الكيانات الطارئة التي لا تمتد في العمق التاريخي ولا في العمق الحضاري وفي مثل ذلك يكمن خوف الآخر من نهوض اليمن وقد رأينا كيف أن تواجد الآخر في الشأن اليمني كان بقدر خوفه أو يفوق كما أننا نرى أن المشاريع الوطنية ذات الامتداد المتجذر في العمق الزمني ظل مستهدفا وما يحدث اليوم في أرض الجنوب اليمني استهداف ممنهج للذات اليمنية ومثله قد يكون حالة إشباع لفراغ وجداني يعيشه شعب الجنوب لكنه في جوهره حالة تدمير شاملة للبناءات الاجتماعية والثقافية والنفسية ولن نستبين الرشد إلا في المستقبل الذي يزحف الحاضر إليه إما تحت راية الوحدة أو تحت راية الانفصال.
القضية الجنوبية قضية إنسان يبحث عن دولة وتلك القضية قضية وطنية شاملة بدليل أن حديث الناس في عام 90م عام إعلان الوحدة اليمنية كان معبرا عن رغبته في الدولة العادلة وفي النظام ولا تجد فردا أو جماعة إلا وهاجسهم : " لعلنا نجد نظاما ونجد دولة " . وظل هذا الهاجس هو الباعث لأحداث 2011م وهو الباعث على ما تلاها في 21 سبتمبر 2014م أي أن حلم الدولة حالة وجدانية وطنية تمتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب بيد أن الاشتغال السياسي ظل وما يزال بعيدا عن تلك الحالة الوجدانية وكاد في مجمل حالاته أن يتعامل معها بوصفها لعبة سياسية أو حالة ضاغطة وفي حالات كثر يرى فيها نزفا ذهنيا مبالغا فيه.
ما يجب أن يفهمه ساسة هذا البلد أن حلم استعادة الدولة هو حالة وطنية شاملة لا تخص الجنوب وحده ولا الشمال وحده ولكنها أصبحت تعبيرا وطنيا شاملا كان شعب الجنوب الأقدر في التعبير عنها والأوضح في الإبانة في حين ذهب شعب الشمال إلى العنف والفوضى أملا في تحقيقه أو الوصول إليه.
وأمام كل التفاعلات الشعبية التي حدثت وتحدث في  بقاع  اليمن لا نجد الأحزاب تستوعب تموجات الوجدان الشعبي وتطلعاته بل تذهب كثير من تلك الأحزاب إلى المكايدة السياسية بالقضايا الوطنية المصيرية كالقضية الجنوبية وبحيث تعمل على إحداث الانحراف القاتل في سياقها العام ومثل ذلك حدث ويحدث في سياق القضية الجنوبية التي حاولت مجموعة متضافرة من الأحداث على تشويهها والنيل من عدالتها لأن الذي يتضرر أو يظن أنه سوف يتضرر من وجود دولة عادلة ومهيمنة يعمل ما وسعه الجهد على المقاومة بشتى الطرق والوسائل بل يكاد يذهب إلى تفكيك المنظومة القيمية والأخلاقية لتكون الهزيمة من حيث الاحساس والشعور العام أشد وقعاً وأعمق ألماً  ولعلّ الذاكرة الشعبية  ماتزال تحتفظ بالكثير من الوقائع والاحداث التي حدثت في السياق الزمني الممتد بين ( 2007) الى
(2020م)  وهي أحداث كانت  تستهدف البعد القيمي  والاخلاقي لأنسان هذا الوطن ولم تكن أصيلة فيه بل كانت طارئة عليه  وقد كان التوظيف السياسي لها واضحاً بيناً.
ويمكن أن يقال إن استمرار الصراع في الجنوب بين الانتقالي وبقايا ثوار فبراير 2011م من الاخوان ومن شايعهم في كل مدن الجنوب مع وجود حالة الصمت المرعب تجاه ما يحدث من قبل غالبية القوى والتيارات السياسية أمر غير محمود وقد ينذر بكارثة وطنية سوف تترك اثرا مدمرا في النسيج الوطني الاخوان لا يدركونه كطبيعتهم التي عرفوا بها وكل الهمّ بالنسبة لهم البقاء واستمرار تدفق مصالحهم.
في الجنوب اليمني قضية وطنية لا تحتمل التأجيل والتسويف وأصبح طرحها على طاولة الحوار والنقاش لابتكار الحلول المناسبة لها امراً ضرورياً فالتمادي ضياع وتيه ولا نرغب باليمن ان تصل إلى حالة التيه التي اصابت الامم من قبلنا.