تعسف الوعي الاجتماعي

تعسف الوعي الاجتماعي

الوعي الاجتماعي اليوم بعد كل التموجات والعواصف التي حدثت على مدى عقد من الزمان بالإضافة الى التراكم التاريخي أصبح ضحية تعسف رسمي وغير رسمي متعدد الجوانب والآليات

أخضع مشاعر الناس وعقولهم إلى اللجوء إلى التصور بأن مفهوم الدولة لا يتجاوز الهيمنة السياسية ومجموعة الرموز التي يخضعون لها كالرئيس والمحافظ والوزير .. و .. و.. ويرى أنهم الدولة والسلطة معاً هذا الالتباس في مفهوم الدولة , ومفهوم السلطة,  قاد الكثيرين إلى مواقف خاطئة ربما تركت أثراً في حياة الناس غير محمود , ولا يلبي الطموح في النماء , بل سيبعثر الطاقات , ويبدد الجهود , ولن يؤدي إلا إلى عرقلة عملية بناء اليمن الجديد الذي مازلنا نحلم بتقدمه وازدهاره واظننا حتى اللحظة مازلنا نتلمس الطريق إليه .
يقول فقهاء الأنظمة الديمقراطية أن السلطة في النظام الديمقراطي لها شكلين الأول داخل الدولة والآخر خارجها فالسلطة داخل الدولة لن تكون إلا للقانون أي أن الدولة ستكون طرفاً دستورياً محايداً وسيكون مسئولو الصف الأول فيها موظفين ترتبط سلطتهم بالقانون وبالفترة الزمنية التي يقول بها الدستور,  بحيث لن يكون بوسع أي جماعة أو حزب أن يتجاوزوا ذلك , ويقول فقهاء الأنظمة : وكون سلطة القانون في الدولة الديمقراطية تتوزع على ثلاث هيئات : قضائية,  وتنفيذية ,وتشريعية  وما يعنيه ذلك من مواجهة واحتكاك بين هذه السلطات أي أن الدولة ستحد الدولة .
 وإذا كان ذلك مهماً وأساسياً لنا كمواطنين فإن الأكثر أهمية هو أن السلطة/ النفوذ في النظام الديمقراطي لن تكون حكراً على الدولة ومؤسساتها فقط بل يعاد توزيعها بالطريقة التي تديم التوازن بين المجتمع الرسمي -أي مجتمع الدولة- وبين المجتمع المدني- أي الأحزاب والنقابات والنوادي والمراجع الدينية والجامعات وكل ما يتفرع من ذلك من مراكز سياسية واقتصادية وثقافية , وهذا هو الشكل الثاني للسلطة حيث لا يحق لأجهزة الدولة التدخل في شؤون مؤسسات المجتمع المدني التي ستملك حرية يكفلها القانون وسلطة أهلية ذات وجهين:
- الوجه الأول: ينطوي على مكانة اجتماعية ومصالح مادية ومعنوية.
- والثاني: ينطوي على دور سياسي مؤثر في توجهات البلد عموماً .. ليس أقله الدور في العملية الانتخابية.
إذن على ضوء ما سبق نستطيع القول إن هناك نوعين من الوعي والممارسة في واقعنا السياسي:
- النوع الأول: وهو الذي ارتبط بمناخات سياسية محددة وترعرعت مصالحه في ظل تلك المناخات لذلك نجده مصاباً بعقدة الخوف من الآخر ويشوب ممارسته وسلوكه القلق والارتباك فهو مستعجل أبداً لا يدري كيف يرتب أولياته وهو مكابرٌ أبداً كونه يقيس القضايا من زاوية الذات وهو تائه لا يملك رؤية للخروج من نفقه المظلم وبسبب هذا النوع ما نزال في المراتب الدنيا في تقارير النماء والشفافية الدولية وما أظن أننا سنتجاوز تلك المراتب المتأخرة إذا ظل مثل هذا التفكير سائداً في حياتنا السياسية.
- أما النوع الثاني: فهو ذلك النوع الذي يتخذ  الحرية ملاذاً له أملاً في تأسيس وتطوير ثقافة حقوقية بحيث تأخذ بعداً حيوياً باعتبارها عاملاً مهماً في نسيج الوعي المدني والنظام الديمقراطي وهو يحاول جاهداً  تكريس مفاهيم جديدة تضع حقائق الواقع على طاولة الضرورة الملحة ويعمل ما وسعه الجهد على فكرة المستقبل واستحقاق الأجيال القادمة وله رؤية ويحترم تموجات الفكرة وضرورات اللحظة ومثل هذا النوع يفترض أن يقوم بضرورة التدافع الذي يعمره الحق والعدل والسلام خوف الفساد في الأرض وخوف الطغيان والاستبداد وذلك بدلاً عن صليل السيوف ولعلعة النيران ودوي الدانات وأزيز الطائرات فالتدافع كما نعلم فطرة إلهية خوف الفساد في الأرض وليس بالضرورة أن يكون بالموت والدمار بل بقيم الخير والسلام وبالوسائل الديمقراطية الحديثة وبصوت الحق الذي رفض السمع والطاعة للخليفة عمر بن الخطاب حتى يبين للناس كيف استأثر لنفسه بثوبين دون سائر الناس.
لقد كان مشروع الوحدة يشكل قلق المستقبل لكن اضطراب اللحظة التي عشناها ونعيشها  لن يستمر كثيرا حتى يكون  هذا المشروع هو الملاذ الآمن لوطن مستقر وآمن وقادر على السيطرة على مقاليده وتحقيق وجوده , يمنية اليمن قضية منطقية ثابتة ولا يمكن للقوى السياسية  المناهضة المزايدة بها أو نفيها لأنها بذلك تضرب الهوية اليمنية في بعديها الحضاري والتاريخي في العمق وتحاول تعطيل حركة التاريخ وقانونه , فتعدد الواحد كصيرورة زمنية لا تستدعي النفي التاريخي ولا التجرد من البعد الحضاري, ولا التنكر للهوية, بإمكان الواحد أن يتعدد مع احتفاظه بكل مكونه الحضاري والتاريخي والثقافي فالشعور بالحالات القهرية لا يبرر العودة إلى نقاط تاريخية بحثاً عن معادل موضوعي كي يحقق قدراً من التوازن النفسي والاجتماعي فالانفصال بالضرورة التاريخية يفضي إلى هاجس التوحد , وهاجس التوحد بالضرورة التاريخية يفضي إلى الانفصال , وهنا تكمن الاشكالية الوطنية , وهي إشكالية تاريخية ذات عمق وتجذر ونظن أن الاستمرار في متواليتها وحلقات سلسلتها الزمنية لن يحمل عصا سحرية لتبدد كل ذلك الإرث والتراكم في المساقات والسياقات العامة فالتغير الحقيقي يبدأ من تلك اللحظة التي ندرك فيها قانون التاريخ وهي اللحظة التي تجعلنا في تفكير مستمر في كيفية التعامل مع ظلاله العام وكيفية الاشتغال على عملية لمساره في الوعي الجمعي الكلي وبما يحقق قدراً كافياً من الاستقرار والنماء والتجديد والتحديث وبما يحقق قيمة الذات ويجعلها في تناغم كامل مع مكونها العام لا في عملية تضاد كما نلحظ, فشعار استعادة الدولة يحمل في طياته دلالات غيابها , والغياب ليس بدلالة كثافة حضورها في زمن حكم المنظومة الاشتراكية كما تذهب بعض القوى إلى ذلك بل هو غياب قيم الحق والخير والعدل والسلام .
إذن نخلص إلى القول إن مؤسسات المجتمع اليمني شكل من أشكال السلطة وهذا الشكل يقوم بفكرة التدافع وخوف الآخر منها - كما يتجلى ذلك في واقعنا - ليس مبرراً في التفرد وتضليل الوعي الجمعي ليس حلا أيضا لكن الحل يكمن في التوافق وفي تحديد المفاهيم واحترام النظم والتشريعات وسلطة القانون والدستور باعتبارهما حالة ناظمة للحياة الاجتماعية والسياسية.