أخبار وتقارير

أسرار الزيارات الأمريكية المتكررة لحضرموت

أسرار الزيارات الأمريكية المتكررة لحضرموت

مارست امريكا ضغطا سياسيا على بريطانيا  لمنع انضمام حضرموت والمهرة إلى ما يسمى اتحاد إمارات الجنوب العربي الذي أعلنته بريطانيا في فبراير 1959م

فمحاولة واشنطن من ذلك الضغط هو منح حضرموت و المهرة استقلال ذاتي وفصلهما عن الوطن الأم لتحقيق مطامعها واهدافها في السيطرة عليهما.
واليوم وبعد مرور 61 عاما تعود المطامع الأمريكية مجددا لسيطرة على حضرموت عسكريا واقتصاديا تحت غطاء عدوان غاشم على اليمن .
تقسيم اليمن
بدأ التوسع الاستعماري البريطاني يمتد من عدن إلى حضرموت والمهرة بعد سيطرة الدولة العثمانية على شمال اليمن وساحلها الغربي للمرة الثانية عام 1872م لتدخل اليمن في صراع ومنافسة القوى الاستعمارية . فعمدت بريطانيا  لتوقيع  معاهدتي الصداقة عام 1882م والحماية 1888م مع الدولة القعيطية ثم توقيع القعيطي والكثيري لاتفاقية تعاون بينهما عام 1918م تحت رعاية الحكومة البريطانية .
من جانب آخر عمدت بريطانيا عبر المفاوضات تارة والتهديد باستخدام القوة لرسم الحدود بين مناطق نفوذها واحتلالها لجنوب اليمن وبين مناطق سيطرة العثمانيين على شمال اليمن حيث تم ترسيم الحدود عام 1914م والتي تبدأ من باب المندب التي سعت بريطانيا لتأكيد سيطرتها على جزيرة ميون لأهميتها الاستراتيجية باعتبارها المتحكمة بمضيق باب المندب.
ولم تواجه بريطانيا منذ توقيع اتفاقية الحدود مع الدولة العثمانية أي مشكلة  بالنسبة لمناطق احتلالها في شرق اليمن وشماله الشرقي .
لكن ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى مشكلة مطالبة حكومة صنعاء بأراضي جنوب اليمن بما فيها حضرموت والمهرة باعتبارهما جزءاً من اليمن الأم لكن بريطانيا استطاعت عبر حوار ومفاوضات مع صنعاء حل الاشكالية من خلال معاهدة صنعاء عام 1934م واستغل المحتل هذه الاتفاقية وحالة السلم والهدنة مع صنعاء لتحقيق اطماعه التوسعية ففي عام 1938م برز خلاف بين حكومة صنعاء والمحتل الإنجليزي بشأن السيادة على مدينة شبوة ومنطقة العبر بحضرموت - والتي بدأت المؤشرات تدل على وجود البترول بشبوة - وكانت تلك المناطق تحت سيطرة حكومة صنعاء لكن بريطانيا استطاعت حل الخلاف بالقوة واحتلت شبوة والعبر وطرد قوات صنعاء منها وضمت تلك المناطق الى محمية عدن الشرقية.

استراتيجية الصراع
ومع ظهور الثروة النفطية في الجزيرة العربية منتصف الثلاثينيات اهتمت القوى الاستعمارية بالمنطقة فخلال الحرب العالمية الثانية (1939- 1945م ) اتجهت انظار المسؤولين الأمريكيين إلى نفط الشرق الاوسط بشكل لم يسبق له مثيل ولم يعد النفط مجرد مشروع تجاري للشركات الأمريكية بل أصبح مسألة تخص الأمن القومي الأمريكي من وجهة نظر الحكومة الأمريكية .
وفيما يخص اليمن وفي محاولة التنافس بين موسكو وواشنطن حاولت امريكا ايجاد موطئ قدم لها في اليمن الشمالي ورغم اعتراف واشنطن بحكومة صنعاء  لكنها فشلت في ايجاد موضع قدم لها في اليمن الشمالي عبر شركات التنقيب وانشاء مشاريع انشائية بهدف التغلغل في اليمن .
ففي عام 1957م رفضت حكومة صنعاء قبول مساعدات اقتصادية امريكية بمبلغ مليون دولار المقدم بموجب (مبدأ أيزنهاور) مقابل السماح ببناء محطات للرادار في الجبال اليمنية كما ان صنعاء لم تستقبل ايضا ممثلي شركات التنقيب الامريكية بعد ذلك ورغم ذلك حظيت امريكا بمشاريع انشائية منها شق طريق المخا - تعز  . وبعض المشاريع في مدينة تعز
 فصنعاء كانت حذرة من التغلغل الأمريكي وبالإضافة الى مجريات احداث سياسية باليمن الشمالي جعلت امريكا غير مرحب بها . اما فيما يخص  حضرموت والمهرة كانت ايضا جزء من دائرة صراع القوى الاستعمارية على المنطقة ومن ثم بعد الحرب العالمية الثانية اشتد الصراع على اليمن عامة وحضرموت خاصة فيما عرف بالحرب الباردة بين قطبي المعسكر الشرقي المتمثل بالاتحاد السوفيتي آنذاك والمعسكر الغربي المتمثل بأمريكا.
ويرجع ذلك الاهتمام والصراع على المنطقة  الى اكتشاف النفط في الخليج العربي والسعودية ووصول النفوذ الأمريكي إلى المنطقة عبر شركات البترول وعلى وجه الخصوص شركة أرامكو. كذلك التحول الملحوظ في العلاقات البريطانية - السعودية لصالح أمريكا وخاصة بعد لقاء الرئيس الأمريكي روزفلت بابن سعود في فبراير 1945م . وبدأ أعمال البحث عن النفط في حضرموت وخاصة في اطراف صحراء الربع الخالي .

تكريس الانفصال
كان الهدف من انشاء المحتل  البريطاني للمحميات التسع ومن ثم المحميات الغربية والشرقية في جنوب اليمن  هو دعم الوحدات الانفصالية التي انفصلت عن الحكم المركزي في صنعاء في القرن الثامن عشر الميلادي لتصبح ضمن وحدة سياسية متعددة وضعيفة و تحت نفوذ وسيطرة بريطانيا.
 ومع تزايد اطماع السعودية بحضرموت والمهرة قامت بريطانيا عام 1939م  بإنشاء وحدة عسكرية خاصة بحضرموت عرفت باسم (جيش البادية الحضرمي) وفي عام 1943م اصبح  مقره مدينة المكلا وكان من ابرز اهداف تأسيسه هو حماية الحدود الشمالية الشرقية لحضرموت من أي زحف سعودي تجاه الطرف الجنوبي لصحراء الربع الخالي بعد أن ظهر عام 1936م بوادر مطامع السعودية بحضرموت والمهرة .ورغم توتر العلاقات البريطانية - السعودية لكن تنامي نفوذ الاتحاد السوفيتي في المنطقة وبالذات مع مصر وسوريا وشمال اليمن  أدى الى حدوث تفاهم أمريكي - بريطاني بشأن مصالحهم في المنطقة وساهم هذا التقارب إلى تحسن العلاقات البريطانية - السعودية وهذا ما يحقق اطماع واشنطن في حضرموت عبر السعودية .
وما يتعلق بعلاقة حكومة صنعاء مع بريطانيا ففي منتصف الخمسينيات من القرن المنصرم توترت العلاقات من جديد بينهما وذلك عندما تقدمت الحكومة البريطانية بمشروع اتحاد الامارات والسلطنات لمحميات عدن واعتبرت صنعاء هذه الخطوة خرقا لشروط اتفاقية عام 1934م ومحاولة لتعزيز الانفصال في جنوب اليمن لدويلات وسلطنات تظل تحت سيطرة المحتل البريطاني .فتوجهت حكومة صنعاء الى جامعة الدول العربية مطالبة باستعادة جنوب اليمن التي احتلتها بريطانيا .
وردا على ذلك اتخذت جامعة الدول العربية قرارا خاصا تدين اعتداء السلطات البريطانية ضد المناطق اليمنية المعروفة بالمحميات وبذلك اعترفت بأن أراضي جنوب اليمن جزءاً لا يتجزأ من الأراضي اليمنية . وانبرى للدفاع عن المطالب العادلة لليمن المشتركون في مؤتمر باندونج عام 1955م ومؤتمر شعوب آسيا وافريقيا المنعقد في القاهرة 1957م بينما ازداد اشتعال حركة التحرر الوطني ضد بريطانيا في جنوب اليمن وخاصة في عدن وحضرموت والمهرة مما افشل مخطط بريطانيا  بتقسيم جنوب اليمن الى دويلات وسلطنات لما يخدم اطماعها الاستعمارية ببقائها في المنطقة - واليوم تسعى كل من لندن وواشنطن عبر وكلائهما في الرياض وابو ظبي من إعادة  سيناريو التجزئة لليمن وتحويله الى كنتونات سياسية ضعيفة واداة تخدم مصالحهم .

العودة من الباب الخلفي
مع خروج بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية من مسرح القوى العالمية  وانسحابهما من اغلب مناطق الشرق الاوسط رأت امريكا ان تسد ذلك الفراغ بالمنطقة لتحقيق اطماعها والوصول الى منابع النفط ومع مطلع الستينيات من القرن المنصرم  كانت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي و امريكا على اشدها في المنطقة .
 وفيما يخص حضرموت حقق الأمريكيون أول نصر اقتصادي لهم في حضرموت وذلك بالضغط على بريطانيا والسلطتين الكثيرية والقعيطية لإلغاء الامتياز الممنوحة للشركة البريطانية للتنقيب عن النفط في حضرموت واستبدالها بشركة (بان أمريكان) وقد تمت المفاوضات الأولية مع هذه الشركة من قبل وفد يمثل السلطة القعيطية والسلطة الكثيرية وذلك في يونيو 1961م ووقعت الاتفاقية في مدينة المكلا في يوليو 1961م - واعتبر إلغاء عقد التنقيب من النفط عن الشركة البريطانية واستبدالها بشركة أمريكية عملا لصالح السعودية في حضرموت .
بالرغم أن تلك الاتفاقية اقتصاديه  لكنها ذات  مدلولات سياسية خطيرة سواء لبريطانيا آنذاك بأن واشنطن لا تعترف بحضرموت والمهرة بأنهم جزء من اتحاد الجنوب العربي  بل هما اقليم مستقل بذاته وايضا ليست حضرموت والمهرة جزء من الوطن الأم كما تدعى صنعاء بالحق التاريخي ولكن مع تحرر جنوب اليمن من الاستعمار البريطاني  تحطمت اطماع واشنطن في جنوب اليمن واستطاع الاتحاد السوفيتي آنذاك أن يثبت اقدامه سياسيا وعسكريا واقتصاديا في جنوب اليمن عامة وحضرموت خاصة واستمر حتى سقوطه وتوحد الشطران بتسعينيات القرن المنصرم واليوم الأحداث تعيد نفسها وتأتي أمريكا بعد 61 عاما عبر الباب الخلفي للعودة لحضرموت من خلال وكلائها في عدوانهم على اليمن 2015م لتحقيق أطماعها التي ظلت منقوصة خلال الحرب الباردة ويتمثل اليوم عودتها من خلال التواجد العسكري الأمريكي في حضرموت المتزامن مع العدوان على اليمن, وما زيارة السفير الأمريكي لحضرموت إلا تجسيدا لتلك المطامع القديمة لكونها تحمل أوجه عدة فسياسيا تصريح غير معلن عن انفصال حضرموت والمهرة كدولة مستقلة فما عجزت عنه قبل ستة عقود من الزمن تحلم انها ستحققه اليوم، اقتصاديا نهب ثروات حضرموت المتعددة فإلى جانب ثروتها النفطية وحقول النفط فيها تمتلك حضرموت ما يقارب خمسين نوعاً من المعادن المختلفة واهمها معدن الذهب والحديد والنحاس والكبريت، وحضرموت تعتبر مخزوناً للحبوب اذا استغل الاهتمام بها زراعيا إضافة الى امتلاكها لشريط ساحلي طويل يجعلها غنية بثروتها السمكية وإقامة مصانع ومشاريع سمكية.
واستراتيجيا تعتبر حضرموت قاعدة دفاعية متقدمة لأمريكا على البحر العربي والمحيط الهندي لمواجهة الخطر الروسي والصيني ولإحكام السيطرة على الطريق البحر العربي  لحماية منابع النفط في الخليج العربي عبر السيطرة على سواحل و موانئ وجزر اليمن ومنها  حضرموت وجزيرة سقطرى وميون ومضيق باب المندب فاستراتيجية امريكا  تقتضي السيطرة الكاملة على سواحل اليمن الغربية والجنوبية والشرقية لضمان  تدفق النفط عليها ولحماية أمن الكيان الصهيوني ومد ذراعيه العسكرية نحو المحيط الهندي والخليج العربي  وحصار القوى الصاعدة روسيا والصين.

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا