أخبار وتقارير

اليمن ..  والقوى الاستعمارية في مطلع القرن العشرين !

اليمن .. والقوى الاستعمارية في مطلع القرن العشرين !

علي الشراعي
 - كانت بريطانيا تحرص على تأكيد نفوذها على السواحل طبقا لمخططها السياسي الاستعماري العام
كان النفوذ العثماني يمتد في الجزيرة العربية على مساحات أوسع من النفوذ البريطاني إذ كانت بريطانيا تختار النقط الاستراتيجية ويهمها الاستيلاء عليها

دون أن تهتم كثيرا بضيق الرقعة المحتلة أو مساحتها فالنفوذ البريطاني كان لا يمثل إلا منافسا زاحفا يحتل نقطا معينة ذات أهمية استراتيجية على امتداد الشريط الساحلي ابتداء من قناة السويس مرورا بباب المندب وخليج عدن والمحيط الهندي حتى مستعمراته بالهند لحماية خطوط مواصلاته البحرية .

القوى الأربع
نتيجة التنافس بين القوتين الانجليزية والايطالية نجت سواحل وموانئ اليمن مطلع القرن العشرين من الاحتلال الإيطالي وذلك لوقوف  إنجلترا وصدها لأي محاولة ايطالية في احتلال سواحل اليمن على البحر الأحمر فعند قيام ايطاليا بإرسال اسطولها في البحر الأحمر المرابط في مستعمرة اريتريا لاحتلال ميناء المخا تصدت له انجلترا بإرسال اسطولها البحري في عدن وتصدي للإسطول الإيطالي الذي كان أقل منه قوة وعددًا فما كان من ايطاليا الا سحب اسطولها ولم تجرؤ بعد ذلك من احتلال أي جزء من السواحل اليمنية . فالتنافس الاستعماري فيما بين انجلترا وايطاليا انقذ سواحل اليمن من الوقوع تحت سيطرة قوى استعمارية في مطلع القرن العشرين حتى عشية الحرب العالمية الأولى(  1914 - 1918م ) .
فالقوى العالمية التي كانت مسيطرة على البحر الأحمر في مطلع القرن العشرين حتى نشوب الحرب العالمية الأولى في اغسطس 1914م كان في مقدمتهم الإنجليز بما لديها من قوة عسكرية برية وبحرية تسيطر بها على البحر الأحمر من قناة السويس شمالا الى عدن جنوبا وتأتي في المرتبة الثانية إيطاليا بقوة اسطولها البحري المتمركز في الصومال واريتريا فيما كانت الدولة العثمانية بالمرتبة الثالثة بقوة برية في اليمن والحجاز لكنه في نفس الوقت لم يكن لها قوة بحرية تنافس بها إنجلترا وايطاليا لتأتي المانيا حليفة العثمانيين في المرتبة الرابعة بما تمتلك من امتيازات عسكرية واقتصادية في العالم العربي .
ولا شك أن العثمانيين والإنجليز كانا يمثلان القوتين الفعالتين في احداث الجزيرة العربية بما فيها اليمن فكانت إنجلترا تحرص على تأكيد نفوذها على السواحل طبقا لمخططها السياسي الاستعماري العام . - وهذه السياسة الاستعمارية القديمة تعود اليوم بعدوان 2015م على اليمن ويظهر جليا احتلالهم لسواحل اليمن من ميناء المخا جنوبا حتى سواحل المهرة شرقا - . اما عدن فإن بريطانيا كانت تعتبر نفسها صاحبه حق فيها منذ احتلالها سنة 1839م وفي النواحي التسع المتاخمة لها في جنوب اليمن والتي ارتبطت معها بمعاهدات الحماية كما إن بريطانيا تمسكت بخط الحدود الذي حددته الاتفاقية العثمانية - البريطانية التي عقدت في 9 مارس 1914م وهي الاتفاقية التي اعترفت بالوجود البريطاني في جنوب اليمن .
اما عن التواجد العثماني في شمال اليمن آنذاك فقد عبر الإنجليز عن تأييدهم أكثر من مرة وارتياحهم لوجود العثمانيين في شمال اليمن عندما كانوا في وفاق مع الدولة العثمانية لأن الوجود العثماني في اليمن كان يشكل عامل استقرار في المنطقة المتاخمة لعدن ويشكل قلقا في المستقبل إذا ما خرج العثمانيون من اليمن .

حصار بحري
اما بالنسبة لمركز الإنجليز في البحر الأحمر عشية الحرب العالمية الأولى في اغسطس 1914م فإن خريطة  احتلالهم وسيطرتهم تشمل كلاً من مصر والسودان وجزء من الصومال ومن مضيق باب المندب وعدن وجنوب اليمن حتى المحميات العربية في  عُمان وقطر والبحرين ومشيخات الخليج العربي حتى الكويت شمالا .
اما العثمانيون ظلوا حتى  قيام الحرب العالمية الأولى مسيطرين على الساحل الغربي للبحر الأحمر بما في ذلك عسير في اطار من العلاقات المحلية في كل من الحجاز وعسير وصنعاء ونجد من ناحية ومع القوى الأجنبية ( الإنجليز والايطاليين ) المسيطرين على البحر الأحمر من ناحية أخرى .
ومع انضمام الدولة العثمانية الى جانب المانيا والنمسا ضد بريطانيا وفرنسا والصرب وروسيا اقتربت الحرب من البحر الأحمر والمناطق الواقعة على سواحله الشرقية والغربية.
كما فرض الحصار العسكري والاقتصادي على الدولة العثمانية نفسها وعلى الولايات العربية الخاضعة لها ومنها سواحل اليمن وموانئه في البحر الأحمر .
ولم يكن للعثمانيين اسطول حربي في البحر الأحمر غير وجود قوات برية لها في اليمن حتى إنها اصبحت عارية الحماية في الموانئ التى تطل على البحر الأحمر امام الأسطول الإنجليزي
ومما زاد الأمر سوءا بالنسبة للعثمانيين في البحر الأحمر دخول ايطاليا في الحرب إلى جانب انجلترا وفرنسا فقد عملت منذ اللحظة الأولى للحرب على تعزيز وجودها في البحر الأحمر من خلال اسطولها المرابط امام الصومال وسواحل اليمن وكان له دورا كبيرا في مساعدة الأدارسة ضد حروبهم ضد العثمانيين .

احتلال الجزر و الموانئ
كان غاية حكومة الهند هو حماية الطريق البحري عبر البحر الأحمر ومنذ وقت مبكر من اندلاع الحرب وقبل انضمام الدولة العثمانية حليفة لألمانيا اقترحت حكومة بومباي أن أحسن وسيلة لحماية خطوط مواصلاتها البحرية في البحر الأحمر هو قصف موانئ اليمن الخاضعة للدولة العثمانية ويستثنى من ذلك موانئ الادريسي الذي كان قد اتصل بالمقيم البريطاني في عدن يعرض عليه عقد اتفاق معه وقد كان المقيم البريطاني في عدن يوافق تماما على هذه المقترحات وهي أن تقصف ميناءي المخا والحديدة الخاضعين للحكم العثماني من شأنه أن يقطع الإمدادات العسكرية في حالة انضمام الدولة العثمانية لألمانيا في الحرب .
وقد أدى دخول الدولة العثمانية في الحرب في 31 اكتوبر 1914م إلى اعادة تقييم السياسة البريطانية فيما يتعلق باليمن فقد اقترح نائب الملك في 7 نوفمبر أنه يجب أن ترسو سفينة بريطانية على جزيرة فرسان وترفع العلم البريطاني وتضمنت مذكرة وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 15 نوفمبر ابلاغ حكومة الهند بموافقتها على رفع العلم البريطاني على ثلاث من جزر فرسان وفي أواخر نوفمبر أجرت وزارة الخارجية محادثات مع الإدميرالية ( أمارة البحر البريطانية ) لمناقشة امكانية احتلال القوات البريطانية للشيخ سعيد وجزيرة كمران وجزر فرسان.
وكان قد طلب من المقيم السياسي في عدن أن يقدم آراءه حول شتى أنواع الاحتلال المقترحة للحديدة والجزر وقد اعترض المقيم السياسي كما فعل نائب الملك أن الاحتلال البريطاني للحديدة قد ينظر اليه ( على أنه انتقاص لتأكيداتنا بأننا ليست لدينا رغبة في توسيع ممتلكاتنا وزيادة على ذلك فمازلنا في انتظار رد من إمام صنعاء واذا احتللنا الحديدة قبل تسلم الرد فقد يسيء الإمام فهم تصرفنا ..... إن احتلالنا للحديدة ولو بكتيبة واحدة فقط إذا لم نكن متأكدين من ميل كل من الإمام يحيى والإدريسى إلى جانبنا فأنه من المرجح أن يثير هجوما عربيا ..... وخطتنا حتى يثبت  جدواها هي العمل ضد العثمانيين من خلال وكلاء عرب يعلنون سياستنا وفق الخطوط الأساسية لبياننا  ويوعدون بمساعدة معقولة ويؤكد لهم مساعدتنا بعد انتهاء الحرب لتأمين الاستقلال )

عملاء محليون
اما وزارة الخارجية البريطانية فقد بدأ أنها تقلل إلى حد كبير من ظهور عداوة ضد بريطانيا في حالة قيام البحرية البريطانية بعمل ما في السواحل اليمنية لذا فقد طلبت بإلحاح في 16 ديسمبر1914م أن تتخذ ( خطة عامة متدرجة تبدأ من عدن فتحتل الشيخ سعيد ثم كمران ثم فرسان وأخيرا الحديدة وفي كل حالة ينبغي علينا أن نحاول العمل مع اليمنيين المحليين ) . - إن سياسة خلق عملاء محليين  كمليشيات مسلحة يمنية  يقومون بالدور الذي يحقق اهداف وسياسة الاستعمار البريطاني في الاستيلاء على تلك المناطق باسم قوى محلية آنذاك نجد أن  رسم تلك السياسة الاستعمارية تعود اليوم عبر عدوان 2015م بعملاء ومليشيات مسلحة متعددة تخدم دول العدوان وتحقق لهم اهدافهم  ) .
ومن ناحية أخرى رأى نائب الملك أنه لا يجب احتلال الحديدة بقوة بريطانية طالما أنه قد بدأ أن الإمام يحيى مازال متذبذبا في موقفه وغير واضح .
وهكذا وحتى نهاية 1914م كان الخلاف مستمرا في اروقة الحكومة البريطانية حول احتلال الجزر والشواطئ اليمنية وفي نفس الوقت أعطيت التعليمات للسفن البريطانية للقيام بدوريات في البحر الأحمر لمنع وصول الإمدادات والقوات  للحاميات العثمانية وللموانئ الحديدة والمخا واللحية ولمنع بث الألغام وتنقل للقوات العثمانية بين شرقي البحر الأحمر وغربه
وقد أخذت الدوريات بين المخا وذباب وخور عميرة بحثا عن الزوارق الشراعية التي تحمل البضائع المهربة إلى الشيخ سعيد حيث توجد حامية عثمانية مقابل جزيرة ميون .
وقد اعتبر مجلس الوزراء البريطاني أمن البحر الأحمر الهدف الرئيسي للدوريات البحرية والتي كان من مسؤوليتها ايضا  الا تسمح لدولة معادية بالحصول على قواعد  بحرية على شواطئ وجزر البحر الأحمر .
الوثائق البريطانية
من أهم الوثائق التي تلقي الضوء كاملا حول سياسة بريطانيا تجاه اليمن بما فيها عسير خلال الحرب العالمية الأولى الخطاب الذي أرسله (ميجور يونجهاسبند ) المقيم السياسي في عدن الى سكرتير حكومة الهند الإنجليزية في 23سبتمبر 1915م والذي يدور موضوعه حول سياسة بريطانيا في اليمن .
وتتضمن مذكرتين الأولى خاصة بتجنيد ايطاليا في الصومال لعرب من شبة الجزيرة العربية فيما المذكرة الثانية المؤرخة في 9 سبتمبر 1915م وتدور حول الخطة التي ستتبعها السياسة البريطانية في المنطقة المحيطة بعدن . فقد أوضحت المذكرة أنه في حالة انسحاب العثمانيون من اليمن فإن الظروف السياسية للمنطقة المحيطة بعدن سوف تتغير بشكل جذري إذا أن إمام اليمن سوف ينتقل إلى الجنوب ليضع يده على هذه المنطقة وبذلك تنشأ مصادمات بينه وبين البريطانيين .

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا