أخبار وتقارير

الخريطة الجيولوجية لنفط حضرموت والمهرة وسياسة الشركات الأجنبية

الخريطة الجيولوجية لنفط حضرموت والمهرة وسياسة الشركات الأجنبية

علي الشراعي
يرجع تاريخ أول محاولة للتنقيب عن النفط في اليمن إلى الثلاثينيات من القرن الماضي والتي قامت بها شركة نفط العراق وهي شركة بريطانية خلال العام 1938م في المنطقة الشرقية (حضرموت والمهرة)

حيث قامت بتنفيذ بعض الاعمال والدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية خلال فترات متقطعة حتى بداية الستينيات.
 يعتبر الباحث الجيولوجي (جيوكنز) أول من وضع خريطة جيولوجية لليمن و لقد كان للأبحاث دور فعال في توضيح البيئة الجيولوجية في اليمن وفي تحديد طبيعة المناطق والبقاع اليمنية والتي دلت الأبحاث وأعمال التنقيب المختلفة على ملاءمتها لتواجد النفط أو الغاز او كليهما معا.
وعلى هذا الأساس وبالنظر إلى امكانيات تواجد المكامن النفطية تم تقسيم اليمن إلى ثلاث مناطق الغربية والجنوبية (تهامة والساحل) والمنطقة الشرقية وهي التي حظيت بالاهتمام الخاص من الشركات النفطية ومن الجيولوجيين والمنقبين منذ عام 1938م ولا تزال الى وقتنا الحاضر محطة اطماع الشركات النفطية الأجنبية ومن يقف خلفهم من قوى استعمارية تتجسد اليوم بعدوان 2015م والخارطة الجيولوجية للمنطقة الشرقية تمتد على طول المشرق وعلى مساحات واسعة عبر محافظات الجوف ومأرب وشبوة وحضرموت والمهرة.

سياسة الغموض
بصورة عامة فإن الخصومات بين سلطنات القعيطي والكثيري بحضرموت والنزاعات مع السعودية، لم تكن هي السبب الرئيسي للتأخير المتعمد لاستخراج نفط اليمن الجنوبي آنذاك.. حيث كانت توجد في الوقت نفسه دواع أخرى كانت مرتبطة بسياسة الشركة ذات الامتياز, حيث قامت سياسة شركة (الآي. بي. سي) على الحصول على احتكار التنقيب وعلى انتظار الوقت المناسب للانتقال إلى الاستثمار كانت الشركة التي تعمل بوساطة البتروليوم كونسسيون ليمتد تعتبر نفط محمية عدن كمحزون في حالة النقص وما كانت تريد اللجوء إلى نفطها إلا عندما تبدأ مراكزها الانتاجية الأخرى في الشرق الاوسط الغنية والسهلة الاستغلال بالنضوب أو الانفلات من مراقبتها وحتى تبرر سياستها اعتمدت على عدد من الحجج منها عدم الاستقرار السياسي وعدم استقرار الأمن وكذلك النقصان الكمي في الاكتشافات وصعوبة الاستخراج وهكذا كانت الشركة تأمل أن تكسب وقتا من جهة وأن تخمد نشاط الشركات التي يمكن أن تهتم بالأبحاث والتشكيك في مردودية المراكز المعدنية من جهة أخرى وسمح لها هذا التكتيك أن تغطي هذه المراكز المعدنية بغطاء من الغموض.

شركات إنجليزية - امريكية
خلال الأعوام 1938- 1961م منحت أربعة امتيازات بالتساوي لشركات انجليزية وأخرى أمريكية
ففي 12 يناير 1938م منحت رخصة ابحاث لشركة انجليزية "الآي بي سي" على شكل تنقيب لكل محميات عدن ولأربع سنوات وقابلة للتجديد كل سنتين وقد كلفت الشركة فرعا من فروعها البتروليوم كونسسيون ليمتد بالأبحاث.
حيث قسمت الشركة التنقيبات ليمتد الاقليم إلى ثلاث مناطق كبيرة المنطقة الأولى حجر والمنطقة الثانية ثمود والثالثة عدن.
وبدأت التنقيبات منذ سنة 1938م ولكنها توقفت خلال الحرب العالمية الثانية (1939- 1945م) واستعيدت بنشاط سنة 1946م.
وحتى سنة 1954م قامت البتروليوم كونسسيون ليمتد بتكتم كامل رافضة إرسال نتائج تلك الاستقصاءات الملموسة إلى السلطات.
 ومنذ يوليو 1953م منحت الشركة دوا الرجوع للسلطات امتيازين لشركة "ريتشفيلد أويل" أمريكية وامتياز لشركة "سيتيز أويل" انجليزية مما عرض الشركة لانتقادات الصحافة المحلية انتقادا لاذعا وقد أسرعت الصحافة المحلية للإعلان عن اكتشاف عدة مناجم في حبروت وثمود وحجر وشبوة ولم تكذب الشركة تلك المعلومات وبخلاف ذلك فقد أكد سعيها لدى حاكم عدن للحصول على استبدال رخصة الأبحاث باتفاقية استثمار على وجود النفط.
وامام ذلك اتفقت الشركة مع السلطات الاستعمارية في عدن ان يطلب من السلاطين المحليين في كل من محمية عدن بأن يأذنوا للحاكم ببدء المباحثات باسمهم مع الشركة، وهكذا كان الحاكم الانجليزي في عدن قد طلب من الأمراء أن يعطوه توقيعا على بياض مما أثار عليه الوطنيين فقاموا بهجوم قوي جدا على الشركة والسلطات الاستعمارية مما قاد ذلك إلى توقف المفاوضات لسنوات حتى عام 1959م بعد ان تم إعلان ما يسمي (اتحاد الجنوب العربي) وتقسيم جنوب اليمن إلى امارات واتحادات،- وهذا ما يعاد اليوم رسمه كسياسة العدوان في حضرموت المهرة- اتصلت خلالها الآي. بي. سي مباشرة بسلاطين حضرموت لوضع مشروع موافقة تحت أيديهم وفي سنة 1960م بدأت المفاوضات في المكلا وبعد سلسلة مقابلات عرضت خلالها المشاريع والمشاريع المضادة وبعد مباحثات قررت الشركة أن تتخلى عن حقوقها في 13 ابريل 1960م، ومع توقف المباحثات أعلنت سلطنتا القعيطي والكثيري فتح منطقة ثمود (5000كم2) للامتيازات النفطية ودعت الشركات التي يهمها العرض إلى تقديم اقتراحاتها وعلى الفور اتصلت شركات امريكية والمانية بالحكومات المحلية بحضرموت لتفوز بالمناقصة شركة "البان امريكان" الأمريكية . لتحصل الشركة على امتيازين يشملان مساحة 200000 كم2 أي كل المحمية الشرقية وقد عقد اول اتفاق مع سلاطين حضرموت في 5 نوفمبر 1961م وعقد اتفاق ثان مع سلطات المهرة في 4 يوليو 1962م واوجدت الشركة فرعين للتنقيب في حضرموت وفي المهرة وسقطرى.
فخلال الفترة 1961- 1966م نفذت شركة البان امريكان التنقيب عن النفط في حضرموت وشبوة وقامت بإجراء المزيد من المسوحات الجيولوجية والجيوفيزيائية وحفرت أربعة آبار استكشافية هي (حوارم وترافت) والتي ظهرت فيها مؤشرات نفطية وكذلك بئري (85 و88) وانسحبت هذه الشركة في عام 1966م قبل عام واحد من الاحتلال الانجليزي لجنوب اليمن ورحيله في 30نوفمبر 1967م لينتهي بذلك اطماع امريكا في نفط حضرموت والمهرة ليتجدد اطماعهم اليوم من خلال عدوان 2015م وما تقوم به ادواتهم بالمحافظات المحتلة من نهب للثروات النفطية وغيرها.

شروط مجحفة
طبيعة شركات النفط بشكل عام وشروطها في الشرق الاوسط لهذا النوع من الاحتكار تأثيرات سيئة بالنسبة إلى البلدان المانحة للامتيازات فقد كان باهظ التكاليف حتى ذلك الوقت على الصعيد التقني بصورة خاصة لأن الشركات تميل إلى عدم تنقيب واستغلال سوى الآبار التي تبدو لها أكثر نفعا (آبار غنية واستخراج سهل).
وبالنسبة إلى جنوب اليمن آنذاك الذي لا يملك الوسائل ليستخرج النفط بنفسه يبدو التنازل لمصلحة شركة حتميا وأن اتفاقيات منح الامتيازات لا تنشر دائما فيكتفي الرسميون بالإعلان للصحافة بأن الشروط مفيدة للبلد ومع ذلك دون التفاصيل حول الامتيازات! فالأمر يتعلق باتفاقيات ذات طابع عام أنها تتناول كل مراحل الانتاج (أبحاث تنقيب استخراج نقل تكرير).
فالشروط الرئيسية للاتفاقية المعقودة مع شركة البان امريكان مع سلاطين حضرموت والمهرة في نوفمبر 1961م ويوليو 1962م احتوت على 34شرطا من اهم بنودها مدة الصلاحية تتناول الاتفاقيات مرحلة أبحاث عشر سنوات (خمس سنوات فقط بالنسبة لجزيرة سقطرى) مع إمكانية تمديد لخمس سنوات ومرحلة استثمار مدتها ثلاثين سنة بالنسبة لكل حقل نفطي مكتشف.
وبالنسبة للغاز يعود الغاز الطبيعي الذي لا تستخدمه الشركة لاستهلاكها الخاص إلى المحميات وإذا أظهرت المحميات رغبتها في تخصيص هذا الغاز للصناعة البتروكيماوية فيكون للشركة حق الأولوية.
وفيما يخص التكرير والتسويق تلتزم الشركة بإنشاء مصفاة بقصد سد الحاجات المحلية إلى النفط والبنزين وغيرهما وغاية هذا الإلزام تحسين التصنيع وهذا الإلزام غير صالح إلا لحضرموت.
 يحق للحكومات المحلية أن تمتلك 12.5% من الانتاج الخام الذي يمكنها بيعه بوسائلها الخاصة ولحسابها الخاص وهذا الشرط معمول به تقريبا في كل البلدان المنتجة ولكن اغلب البلدان المنتجة للنفط حتى وقتنا الحاضر لا تجد من يشتري حصتها من النفط مما يجعلها مضطرة غالبا ان تبيعه للشركات نفسها.
كل ذلك وجدت بعض الانتقادات لتلك الاتفاقيات وشروطها منها ما هو ذات طابع مالي والبعض الآخر ذات طابع سياسي تتعلق الاولى بنظام الأجر والتسليف بينما تتعلق الانتقادات الأخرى بشروط اللا إقليمية.

نفط ثمود
في سنة 1963م كانت الاحتياطيات المكتشفة تقدر بثمانين مليون برميل في ثمود ومن الناحية التجارية لا تزال المخزونات غير كافية لأن الأمر لا يقتصر على ثقب آبار فحسب وإنما ينبغي أيضا ان تكون هذه الآبار مُنتجة وفي هذا المنطقة الصحراوية تؤثر الظروف الجغرافية تأثيرا حاسما سيما على الوتيرة المسجلة في الأبحاث بواسطة رجال العمليات كما تؤثر على كلفة الإنتاج بالطن الواحد.
ونظرا لكون ثمود بعيدة عن البحر (حوالي 300 كم) فأن ثمن الكلفة يتعرض للارتفاع ارتفاعا كبيرا ومن هنا تخوف السلطات من رؤية الأعمال تتوقف وبالرغم من ذلك التزمت البان امريكان بإنشاء مرفأ وأنابيب لنقل النفط الخام إلى أقرب نقطة من الساحل وعدا ذلك فليس من المستبعد ان تطرأ من وقت لآخر اكتشافات جديدة أهم وعلى الأخص واقعة على مسافة قريبة من البحر لتغير جذري ظروف الاستثمار.
وبالمختصر فان وجود الزيت المعدني مبرهنا عليه بطريقة لا تقبل النقاش وجود كميات من النفط قابلة للاستثمار اقتصاديا ومما يثبت آنذاك ان النتائج الحاصلة عليها شركة البان امريكان من الابحاث والتنقيب بوجود كميات من النفط بثمود مبادرة الشركة للبناء لتقديم عرض لسلطنات حضرموت حول تمويل اعمال البنية التحتية وتعبيد الطرقات وترفض الشركة بان يعوض عليها فيما بعد عندما تصبح العائدات النفطية منتظمة.
فمن الوهم ان ايجاد صناعة نفطية يشكل عامل تنمية في ظل الاستعمار الانجليزي لجنوب اليمن لأن هذه الصناعة النفطية ما كانت سوى وسيلة لجر الموارد نحو الخارج بدل ان تستثمر في التنمية.

المشروع اليمني- السوفيتي
وفي عقد السبعينيات قامت شركة "سيابكو" الجزائرية بأعمال التنقيب في منطقة المهرة وشمال حضرموت حتة عام 1976م نفذت الشركة مسحا زلزاليا في حدود 2500كم خط طولي وتم حفر بئر استكشافية واحدة أعطت بعض ظواهر الهيدروكربونية وانسحبت طوعيا من البلاد.
ونتيجة لتواجد عدد من التراكيب الجيولوجية المكتشفة من قبل شركة سيابكو تم وضع برنامج تعاون يمني– كوبي في مجال الحفر الاستكشافي عام 1974م وسمى المشروع اليمني– الكوبي وخلال تلك الفترة وحتى عام 1976م نفذ المشروع حفر أربعة آبار استكشافية في شمال حضرموت أعطت بعضها مؤشرات للهيدروكربونات ثم انتهى هذا العمل باتفاق الطرفين.
وفي عام 1975م وقعت اتفاقية للتنقيب عن النفط مع شركة "سيتر" الكندية في المنطقة المغمورة من جنوب سقطرى وقامت بتنفيذ مسح زلزالي إلى جانب حفر بئر استكشافي أعطت مؤشرات غازية وانسحبت الشركة نتيجة لظروف مالية في العام 1979م.
وفي ابريل 1977م وقعت اتفاقية مع شركة "أجيب" الإيطالية للعمل في منطقة سيحوت اليابسة والمغمورة (المياه الإقليمية في البحر العربي) ووقعت اتفاقية اخرى معها في عام 1979م للعمل في منطقة المكلا وخليج القمر في المغمورة واليابسة وقامت بإجراء مسح زلزالي وحفرت تسعة آبار استكشافية أعطت اثنتان منها نفطا بلغ الإنتاج المقدر لأحدهما 3 آلاف برميل يوميا إلا أن الشركة انسحبت في العام 1986م بحجة عدم جدوى المشروع.
من ناحية اخرى فقد تم التعاون بين اليمن والاتحاد السوفيتي في مجال التنقيب عن النفط والإنتاج عبر ما عرف بالمشروع اليمني– السوفيتي للتنقيب عن النفط الذي قام بعمل دراسات استكشافية على مساحة قدرها 10 آلاف كيلومتر مربع شمال حضرموت.
وانجزت خلال الاعوام 1976- 1982م بعض المسوحات الجيوفيزيائية في كل من شمال حضرموت وخليج القمر توجت نتائجها بحفر ثلاثة آبار استكشافية كانت نتائجها سلبية وذلك خلال الفترة يوليو 1981- يوليو 1984م..
وفي مارس 1986م حصلت شركة "كنديان أوكسي" الكندية على رخصة للتنقيب في منطقة جنوب المسيلة في محافظتي حضرموت والمهرة على مساحة تقدر بحوالي 36 ألف كم2 وقامت على إثرها بإجراء المسوحات المختلفة والتي على ضوئها تم اكتشاف النفط فيها في مطلع عام 1990م..
وفي ديسمبر 1987م وقعت اتفاقية بين شركة "اكتيين" للعمل في منطقة عدن– أبين وعلى مساحة قدرها 19400كم2 وقامت بحفر بئر استكشافية واحدة واتضحت بأنها جافة وفي ديسمبر 1988م وقعت اتفاقية أخرى معها للعمل في منطقة سر– حرز في محافظة المهرة وعلى مساحة قدرها 47 ألف كم2 قامت الشركة بتنفيذ 1493كم2، مع مطلع عام 1990م ومع اعلان الوحدة اليمنية في 22مايو 1990م وتوحد شطري اليمن بدولة واحدة دخلت الاستكشافات النفطية مرحلة جديدة، ليظل استخراج النفط مرهون بدرجة اساسية بتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والتدخل السعودي بمنع الشركات من استخراج نفط اليمن بكميات تجارية.

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا