أخبار وتقارير

العداء السعودي للوحدة اليمنية ..

العداء السعودي للوحدة اليمنية ..

تقرير: علي الشراعي
اتخذ النظام السعودي موقفا معاديا من الوحدة اليمنية فقد مكث ثلاثة عقود من الزمان وهو يحول دون أي تقدم نحو الوحدة على الرغم من مساعي كل الأنظمة السياسية اليمنية في الشطرين لتحقيقها

إلا إن النفوذ والوسائل السعودية كانت في كل مرة هي الأقوى والتي كانت تنتهي أما بإسقاط النظام أو اغتيال الرؤساء أو اشعال حرب بين الشطرين .
فالنظام السعودي لا يريد أن يرى دولة قوية تنافسه في الجزيرة العربية
بكثافة سكان اليمن شماله وجنوبه ومساحته المترامية الأطراف التي تزيد عن نصف مليون كم2- وموقعه الاستراتيجي الهام  واطلالته على مضيق باب المندب الذي يمثل ثالث اهم ممر ملاحي على مستوى العالم اضافة الى ما يمتلكه من المخزون الهائل من الثروات المعدنية وشريطه الساحلي الطويل الممتد لأكثر من 2500 كم  وامتلاكه للعديد من الجزر ذات البعد الاستراتيجي والحيوي الهام في المحيط الهندي والبحر الأحمر وفي ظل هذه المعطيات الهامة والحضارة العريقة فإن وحدة اليمن والاستقرار الاقتصادي سيجعل من اليمن قوة صاعدة ورئيسية في الجزيرة العربية وهو ما يجعل النظام السعودي يتصدى للنهوض والتقدم لليمن موحدا ومستقرا .

التاريخ الوحدوي
تعود أقدم فترة معروفة وواضحة المعالم في تاريخ اليمن إلى الفترة الواقعة بين عامي 3000 -  2500 ق. ب ففي أطار هذه الفترة الزمنية بدأ التكوين للممالك اليمنية  القديمة ( سبأ وأوسان ومعين وقتبان وحضرموت ) وتدريجيا توحدت هذه الممالك في دولة يمنية واحدة وبدأ هذا التوحد منذ عام 450 ق . ب وفي نهاية التاريخ القديم وعلى وجه الخصوص في القرنيين الأخيرين قبل الميلاد تعرضت اليمن لحملة رومانية سنة 24 ق . ب ولكنها هزمت على اسوار مدينة مأرب عاصمة الدولة السبئية . واستكمل بناء وحدة اليمن عام 300 م في عهد الملك الحميري اليمني (شمر يهرعش) حيث وحد اليمن أرضا وإنسانا  تحت حكم الدولة الحميرية  والتي ظهرت عام 115 ق . ب وانتهت عام 525م حينما أوكلت الدولة البيزنطية الشرقية  للأحباش مهمة احتلال اليمن مع الغزو مما تسبب في تمزيق وحدة اليمن  .

الوحدة في العهد الإسلامي
وفي العهد الإسلامي قسم الرسول الأكرم اليمن إلى ثلاث ولايات ( صنعاء والجند وحضرموت ) خلافا للولايات الفرعية كنجران وغيرها من المناطق الفرعية التابعة للولايات الثلاث الرئيسية. ولقد سادت انحاء اليمن وحدة الوطن ولاستقرار والرخاء في عهد الرسول الكريم وعهد خلفائه الأربعة الراشدين باستثناء فترات قليلة حدثت فيها حركة الردة.
وفي العهد الأموي ( 41- 135هجرية ) ظل اليمن موحدا رغم انه شهد العديد من الاضطرابات وفترات من عدم الاستقرار وتدهور الأحوال الاقتصادية بسبب قسوة ولاة الأمويين مما تسبب في قيام حركات يمنية مناهضة ومن أبرزها حركة عباد الرعيني 107هجرية وحركة عبدالله بن يحيى الكندي الحضرمي 133 هجرية .
 وفي العهد العباسي بزمن الخليفة المأمون استطاع محمد بن عبدالله بن زياد عام 204 هجرية أن ينشئ إمارة مستقلة مرهوبة الجانب ممتد سلطانها من مدينة حلى بن يعقوب شمالا و حتى عدن وحضرموت والشحر والمهرة وأسس مدينة زبيد عاصمة لدولته . وفي عام 429 هجرية قامت الدولة الصليحية والتي وحدت اليمن وامتد نفوذها  إلى الحجاز , وعانت البلاد فترة صراع وظهور زعامات محلية متعددة كانت سببا بمجيء الايوبيين لليمن سنة 569 هجرية , وفي عهد الأيوبيين إلى أن استأنف الرسوليون توحيد اليمن مجددا وفي عهد المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم (1054- 1087هجرية) استمرت الوحدة  لتدخل اليمن بعد ذلك في صراع وانقسامات مكن الغزاة من اليمن .

انقطاع التاريخ الوحدوي
لم ينقطع التاريخ الوحدوي اليمني السياسي إلا في عهد العثمانيين في شمال اليمن 1872م والاحتلال البريطاني  لجنوب اليمن1839م  ما يعني تاريخيا أن انفصال اليمن ليس سببه شأنا محليا وإنما نتيجة لفقدان أبنائها سيادتهم عليها بسبب التدخلات الخارجية , ولم يتمكن المحتل البريطاني لجنوب اليمن والعثماني لشماله من تسويق هويات أخرى غير الهوية اليمنية وفشلت كل المشاريع الانفصالية كثيرة وانهارت شعارات عديدة كعدن للعدنيين أو حضرموت المستقلة أو ما شابهها . وما أن استعادت المناطق الشمالية استقلالها من العثمانيين مطلع القرن العشرين بزعامة الإمام يحيى بن حميد الدين حتى تقاطر السلاطين والمشايخ الجنوبيين إلى صنعاء مطالبين بالخلاص من الاستعمار البريطاني بوصفه إمام اليمن الضمني شمالا وجنوبا .

الإغراءات و الاغتيالات
يعتبر شطرا اليمن الشمالي والجنوبي وحدة ثقافية واجتماعية واحدة حيث يتفقان في اللغة والتاريخ  ومع احتلال بريطانيا لعدن عام 1839م والعثمانيين لصنعاء 1872م وتحديد الحدود بينهما عام 1914م أدى إلى تعميق الانفصال لليمن شمالا وجنوبا ومع خروج المستعمر من جنوب اليمن عام 1967م وتلاه انسحاب القوات المصرية من شمال اليمن في أواخر ذات العام لم تحدث الوحدة تلقائيا بالرغم من وجود إحساس مشترك بضرورة الوحدة إلا أن الشطر الشمالي لليمن كان مشغولا بحربه الداخلية فقد كان الملكيون يحاصرون صنعاء بعد انسحاب القوات المصرية وقد أرسل شطر  اليمن الجنوبي 600 متطوع من الجبهة القومية للدفاع عن النظام الجمهوري لثورة 26 سبتمبر 1962م وفي فك حصار صنعاء أواخر 1967وبداية 1968م . ففي عهد ثاني رئيس للجمهورية العربية اليمنية القاضي عبدالرحمن الأرياني (1967- 1974م) تم الاتفاق بين مسؤولي الشطرين في مدينة تعز في  نوفمبر 1970م على البدء في اتخاذ إجراءات إقامة اتحاد فيدرالي يجمع بين الدولتين وكان ذلك تعبيرا عن الرغبة لمشاركة والتقارب والمضي قدما نحو إعادة تحقيق الوحدة اليمنية  ولكن هذا التوافق والخطوات لم يدم طويلا بسبب التناقضات بين النظامين والممارسات الداخلية والخارجية لتتوتر العلاقة سياسيا وإعلاميا وزاد التوتر مناهضو وقوى المعارضة لكل من النظامين والتي كانت تقف خلفهما السعودية . ومع مقتل ما يقارب 70 شيخا من مشايخ خولان في منطقة  بيحان  في 20 فبراير 1972م بعد ان تم استدراجهم من قبل نظام عدن وقضى عليهم في مأدبة غذاء استغلت السعودية تلك الحادثة لتأليب القبائل الموالية لها في الشمال للضغط على حكومة صنعاء لإعلان الحرب ضد عدن لتدق طبول الحرب بين الشطرين في يوم 26 سبتمبر 1972م . لتتدخل الجامعة العربية بدفع من بعض اعضائها بهدف ايقاف الحرب ومن حالة انهاء الحرب إلى حالة البحث عن صيغة لإعادة الوحدة على المستوي الرسمي عندما وقع الشطران على أول اتفاقية وحدوية في القاهرة 28 اكتوبر 1972م اعتبر هو الأول من نوعه بين الشطرين.

من اسباب اغتيال الرئيس الحمدي
ومع قيام  حركة التصحيح التي قادها المقدم إبراهيم الحمدي  في 13 يونيو 1974م والذي حاول التحرر من التبعية السعودية وقام بخطوات حثيثة لإقامة الوحدة مع الشطر الجنوبي إلا انه تعرض لضغوط اقتصادية وعسكرية وسياسية  خاصة  بعد لقاء قعطبة في 15 فبراير 1977م بين الرئيسين الحمدي وسالمين ولم يكتفوا بتلك الضغوطات بل  اقدموا على اغتياله في 11 اكتوبر 1977م قبل يوم واحد من توجهه نحو عدن  .
لذلك فإن السعودية قد رمت بثقل كبير في اليمن الشمالي وانفقت الاموال الطائلة على مشايخ القبائل وشخصيات سياسية واجتماعية مؤيدة لها ومعارضة للوحدة مع القوات المعارضة للحكم الجنوبي والمدعومة من قبل السعودية . فلقد سعت الرياض إلى منع قيام الوحدة اليمنية  - وما زالت حتي يومنا وبعد عقود ثلاثة من تحقيقها -حيث إن وحدة  اليمن سوف تشكل خطرا على الهيمنة السعودية على شبة الجزيرة العربية وقد عملت السعودية على منع القوى الخارجية من تكوين قواعد للنفوذ في اليمن كما كان لها دوافعها السياسية والأمنية منذ ثورة 26 سبتمبر عام 1962م .

تمردات قبلية
ومع تولي الرئيس علي عبدالله صالح للحكم ( 1978- 2012م) بعد اغتيال الرئيس الغشمي  في صنعاء في 22يونيو1978م  واعدام الرئيس سالمين في عدن بعد يومين من اغتيال الغشمي . لم تتوقف السعودية بل استمر الدعم السعودي لمعارضي الوحدة في الشمال ولمعارضي الحكم اليساري في الجنوب حيث وجد الرئيس صالح نفسه أمام ضغوطات اقتصادية وعسكرية وسياسية وتمردات من قبل القبائل الموالية للسعودية وهزيمة عسكرية على أيدي الجنوبيين بحرب 1979م . واجتياز القوات العسكرية الجنوبية الحدود في 20 فبراير 1979م واحتلت مناطق واسعة (البيضاء وقعطبة وحريب) وكادت تصل إلى مشارف العاصمة صنعاء مع ابداء القوات الشمالية لمقاومة عسكرية شديدة إلى جانب القيام باتصالات عربية ودولية أدت في نهاية المطاف إلى تحويل هزيمة الرئيس صالح إلى نصر سياسي عبر توقيع اتفاقية وحدوية يمنية مع عبدالفتاح إسماعيل في قمة الكويت ما بين 28-30 مارس 1979م على أساس شروط عبدالفتاح إسماعيل لتحقيق الوحدة اليمنية سريعا وبالتالي إنجاز دستور الوحدة خلال ستة أشهر مع علم الرئيس صالح أن الموافقة على الوحدة اليمنية لا تثير الفرح لدى السعودية لكن موافقته على البيان تتيح له كسب الوقت وتدعيم مواقعه الداخلية باعتبار قضية الوحدة مقدسة عند اليمنيين و يعتقدون أن الحمدي وسالمين قد اغتيلوا بسببها.

مطالب الرياض
ومع بداية 1980م وصل التوتر إلى حد المواجهة العسكرية حيث قتل خمسة جنود يمنيين على الحدود السعودية اليمنية وقالت الصحف الغربية حينها أنها محاولة سعودية للضغط على اليمن الشمالي لمنعها من الاقتراب من اليمن الجنوبية  أو من الاتحاد السوفيتي . وفي اواخر صيف 1979م إبرم صالح صفقة سلاح مع الاتحاد السوفيتي  قدرت بمبلغ 600 مليون دولار وكانت رغبة الرئيس صالح في ذلك الوقت حل الاختلافات مع الجبهة الوطنية الديمقراطية وتحسين العلاقات مع اليمن الجنوبي . ليستسلم صالح للضغوط السعودية بعد ذلك  ففي مارس 1980 وافق على مطالب الرياض بتخفيف حماسه للوحدة مع الجنوب وللاتجاه نحو السوفيت واستأنفت السعودية مساعداتها لليمن  وفي بداية عام 1981م عادت العلاقات للتوتر من جديد وأدت إلى قيام السعودية بقطع مساعداتها المالية لليمن  ليعقب  ذلك تحسن العلاقات وعودة المساعدات السعودية حيث رصدت السعودية مبلغ 102 مليون دولار لميزانية العام المالي 1981- 1982م خلافا للمساعدات الأخرى والتي قدرت بنحو 181 مليون دولار
وفي منتصف عام 1983م عادت السعودية مرة أخرى للضغط على شمال اليمن لتغيير موقفها من الجنوب  ومع الجبهة الديمقراطية كما ألحت على دول الخليج الاخرى بوقف مساعداتها لليمن إذا ما استمرت في تحسين علاقاتها مع الشطر الجنوبي  .

مواجهات عسكرية
في بداية عام 1984م وقعت مواجهة حدودية بين السعودية وشمال اليمن  حيث قامت الطائرات السعودية بقصف مواقع داخل اليمن كما قامت القوات السعودية باحتلال اراضي يمنية وقالت جريدة السفير 17 يناير 1984م أن جنودا كثيرين قد قتلوا أو جرحوا في الاشتباكات  وقي أواخر مارس واوائل أبريل من عام 1987م تناقلت وكالات الانباء ووسائل الإعلام العالمية انباء حول مواجهة حدودية بين السعودية وشمال اليمن  وعند اشتداد المعارك قامت السعودية بجلب قوات باكستانية مرابطة على الحدود بين البلدين واشركتها في القتال ضد اليمن وان معظم الضحايا من الجانب السعودي هم من الباكستانيين . وقيام الأمير عبدالله ولي العهد السعودي آنذاك وقائد الحرس الوطني بزيارة إلى مدينة نجران القريبة من الحدود اليمنية حيث حضر استعراضاً عسكرياً وتعبوياً لقوات الحرس الوطني والذي سمي باسم (التوحيد) حيث أرجع بعض المراقبين السياسيين هذه التسمية إلى كونها رسالة إلى اليمنيين حول كون منطقة عسير ونجران وجيزان قد وجدها الملك عبدالعزيز وهي غير قابلة للتفاوض أو التنازل عنها  وفي نجران استقبل الأمير عبدالله جموعا من المواطنين وذلك لتحسس مواقفهم من الأحداث .
ومن جانب اليمن أوفدت صنعاء وزير خارجيتها عبدالكريم الأرياني إلى دولة الكويت لتقديم طلب يمني بالتوسط لدى السعودية لإنهاء حالة النزاع والتوتر بين صنعاء والرياض  كما قام الرئيس صالح بزيارة إلى ليبيا تلتها زيارات مسؤولين ليبيين إلى السعودية ودول الخليج العربي لتهدئة الأوضاع .

قضية الحدود
ومع اقتراب موعد إعلان الوحدة بين الشطرين ارتفعت موجة التحرشات السعودية في الحدود اليمنية المتاخمة واحتلت مواقع حدودية في حضرموت لتوجه رسالة إلى القيادة السياسة في الشطرين فيما يتعلق بقضية الحدود وحاولت الدخول في حرب مع اليمن لتحول دون إعلان الوحدة وخلق واقع سياسي جديد يمكنها من السيطرة مرة أخرى وتحقيق أهدافها وكان السياسيون في السعودية آنذاك مقسومين  بين رأيين الرأي الأول يرى بوجوب منع قيام الوحدة اليمنية بأي ثمن والرأي الثاني يرى بأن الوحدة سوف تنهار من الداخل  إلا أن الملك فهد أمر بسحب القوات من الأراضي التي احتلتها وعبر عن تأييده  للوحدة اليمنية إلا ان اليمن تدرك بأن السعودية لا ترغب في توحيد اليمن وان لديها مخاوف أمنية لأسباب تاريخية وسياسية
لنجد انه كان يقف امام قضية تحقيق الوحدة بين الشطرين عقبات من أهمها الرفض السعودي وعدم استقلاليه القرار اليمني حيث  ما أن تشعر السعودية بوجود تقارب بين الشمال والجنوب حتى تقوم بتشجيع نزاع حدودي بين البلدين او افتعال قتال بينهما أو اغراء موالين لها بالمال.

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا