أخبار وتقارير

سقطرى.. صراع السيطرة عليها بين الماضي والحاضر (2)

سقطرى.. صراع السيطرة عليها بين الماضي والحاضر (2)

علي الشراعي /

تمثل جزيرة سقطرى أكبر الجزر اليمنية المطلة على البحر العربي والمحيط الهندي, واليمن تستطيع من خلالها تأمين أمنها الوطني وحمايته

إلا أن عدم اهتمام اليمن أو امتلاكها عبر تاريخها قوة بحرية متطورة لكسر عزلتها جعل منها أضعف نقطة في الدفاع عن السيادة اليمنية لعدم ادراك حكامها تاريخيا بتنامي أهمية جزيرة سقطرى مستقبلا. وكان من نتائج عدم الاهتمام بالقوة الدفاعية البحرية هو تعرضها للعديد من الغزاة عبر التاريخ منذ الغزو الروماني قبل الميلاد وحتى اليوم وما عدوان 2015م إلا حلقة من تلك الصراعات بين القوى الاستعمارية للسيطرة عليها.

تنافس دولي
شهدت جزيرة سقطرى ومازالت إلى اليوم تشهد تنافسا دوليا واستعماريا حيث حظيت باهتمام عالمي في سباق تحركات القوى الدولية الاستعمارية لحماية مصالحها في المنطقة ومن خلال محاولة كل قوة منع وقوع جزيرة سقطرى تحت نفوذ قوى معادية أخرى وكذا منع السيطرة الاقليمية على خطوط النقل البحرية والملاحية من وإليها ومن حولها من قبل القوى الدولية, واستخدام الجزيرة ممرا للقوات البحرية للدول المتنافسة, واستغلال الثروات الاقتصادية في الجزيرة بسبب عدم قدرة اليمن على استغلالها بسبب ضعف امكاناتها وفرض سيطرتها على المنطقة وردع أية دولة في المنطقة تعمل على مقاومة التواجد الاجنبي المهدد لسيادتها.
تأتي اهمية جزيرة سقطرى بدرجة رئيسية من خلال موقعها الجغرافي الذي اعطاها اهمية استراتيجية فهي تشرف على ممرات بحرية حيوية مثل المحيط الهندي والبحر العربي وخليج عدن فحقق لها هذا الموقع الاشراف على طريق الملاحة بين الغرب والشرق سواء كانت الملاحة العسكرية أم الملاحة الاقتصادية بشكل خاص وامدادات الطاقة عبر مضيق باب المندب. إن موقعها في المحيط الهندي قد عزز موقعها التجاري الرابط بين دول شبة الجزيرة العربية وبلدان شمال افريقيا مع بلدان جنوب وجنوب شرق آسيا وجعل منها جزيرة تتوسط طرق الملاحة الدولية
والكثير من القوى الدولية والاقليمية تطمح لاستغلال الجزيرة كقاعدة عسكرية, والجزيرة تمتلك اهمية بحرية حيوية قد تزداد مستقبلا فإن أي دور اقليمي يحدد لها في المنطقة سوف يهدد مصالح الدول التي ترى فيها موقعا استراتيجيا وبحسب هذا يمثل الموقع أهمية كبيرة في الاستراتيجية الدولية والاقليمية لما له من اهمية بوصفه نقطة عبور رئيسية لناقلات النفط والصادرات الصناعية الصينية؟ إلى اوروبا الغربية وممر ترانزيت من دول الجوار عبر الخليج العربي مرورا بالبحر العربي وخليج عدن.

إستراتيجية أمريكا
استندت إستراتيجية أمريكا إلى منع أية دولة وان كانت اقليمية من الانتشار في المنطقة لتوفير سلامة الملاحة في جزيرة سقطرى وجزر البحر الاحمر لأن اقفالها في حالة الحرب سيكلف امريكا اثمانا باهظة في قيمة النقل البحري وانها تهدف إلى تعزيز الوجود الصهيوني في المنطقة وضمان عدم سيطرة قوى خارجية معادية على البحر الاحمر.
فالموقع الاستراتيجي لجزيرة سقطرى ومداه البحري الذي يتوسط منطقة الشرق الاوسط والقرن الافريقي يوفر التسهيلات للعمليات العسكرية البحرية كافة ويؤدي دورا رئيسيا في الاسناد والتواجد لأسطولها في المحيط الهندي, فضلا عن استخدام الجزيرة وسيلة اتصال بين القواعد الامريكية في دول الخليج العربي والمحيط الهندي لأنها تقع على مسافة قريبة من السواحل الافريقية والآسيوية وهذا يسهل مهمة جمع المعلومات عن الأهداف الاستراتيجية عن دول المنطقة وتزويد الغواصات وبقية القواعد الأخرى بهذه المعلومات. وتحاول أمريكا توسيع تواجدها باتجاه البحر العربي ولاسيما نحو اليمن عامة وجزيرة سقطرى خاصة- وهذا ما خططت له الادارة الأمريكية قبل العدوان على اليمن في مارس 2015م-. وهو السيطرة على الممرات البحرية التي تأتي على رأس مهام القوة البحرية الأمريكية وتحقيقا لهذا الهدف فأن موقع الجزيرة الاستراتيجي قد برز مكانته المهمة في الاستراتيجية الدولية وجعلها مماثلة لأهمية باب المندب لأن جزيرة سقطرى احد الممرات التي تؤدي دورا مهما في التواصل التجاري والعسكري بين اوروبا وآسيا والمحيط الهندي, وان مسألة حماية حرية الملاحة والوصول إلى الاسواق الاقليمية تأتي على رأس المهام الأمريكية.
ولعل الاستراتيجية البحرية الامريكية تهتم في المستقبل القريب- وهذا ما يظهر اليوم جليا من خلال التواجد الامريكي في عدن- بصورة كبيرة بعرض القوة والتأثير في الدول الساحلية,فلا يتوقع أن تتغير القوات العسكرية البحرية الأمريكية في المحيط الهندي وما يؤكد ذلك هو توسيع حجم القوات البحرية والعسكرية في جزيرة سقطرى والجزر التابعة لها.

قاعدة عسكرية
سعت الادارة الامريكية إلى الضغط على اليمن للحصول على التسهيلات والقواعد البحرية في جزرها المتحكمة بباب المندب أو قبالة عدن أو في جزيرة سقطرى في مقابل سعيها لإقناع اليمن للحصول على التسهيلات او القواعد العسكرية وهي بنفس الوقت تدفع بالنزاعات الاقليمية التي تهدد اليمن والسيطرة على منافذه المطلة على باب المندب وخليج عدن وما منازعة ارتيريا واحتلالها لجزيرة حنيش الكبرى سنة 1995م الا جزءا من هذا السيناريو الذي يراد من ورائه تدويل هذه النزاعات وفرض القوى الدولية للتواجد في سواحل وجزر ومضايق البحر الاحمر والبحر العربي والمحيط الهندي، وما ان فشلت في تدوير ازمة حنيش الكبرى نجدها في عام 2008م تتخذ من بعض القرصنة في المياه الصومالية ذريعة لتشرعن تواجدها في البحر الاحمر عبر- مجلسها الخاص واداتها (الامم المتحدة)- بالعديد من القرارات الصادرة من مجلس الأمن والتي بموجبها وتحت مظلة الامم المتحدة تم تواجد العديد من الاساطيل البحرية لأمريكا ودول اوروبية وغيرهما في البحر الاحمر بذريعة محاربة القرصنة وتمكين الكيان الصهيوني من الخروج بقطعة البحرية إلى البحر الأحمر بل إلى ابعد من ذلك. ولم تكتفي امريكا بذلك بل كان مطامعها ليس البحر الاحمر بك المحيط الهندي وسواحل اليمن الجنوبية والشرقية وجزيرة سقطرى فشنت عبر ادواتها في المنطقة العدوان الغاشم على اليمن منذ تسع سنوات.
وتسعى امريكا للحصول على قاعدة عسكرية بجزيرة سقطرى ولربط قواعدها في جنوب شرق اسيا والمحيط الهندي بقواعد حلف الاطلسي في جنوب اوروبا وحوض البحر المتوسط، وان كبر مساحة جزيرة سقطرى وتنوع تضاريسها يعطيها اهمية متميزة لان العديد من العوامل الدفاعية الطبيعية متوفرة فيها من سواحل وجبال وسهول وهضاب اي انه سيعطي أي مخطط استراتيجي ليضع ما يريد من مخازن امنه واماكن حصينة فيها واقتصاديا فموقع جزيرة سقطرى يعد موقعا مثاليا لتحكمه في خطوط النقل البحري حول العالم تقريبا.

التواجد الصهيوني
إن الخطورة الاقليمية في استراتيجية الجزيرة تكمن في تعاظم الرؤية المستقبلية للكيان الصهيوني تجاه جزيرة سقطرى لمعرفته بأهمية هذا الموقع الاستراتيجي المهم لها وتأثيره فيها وأن السيطرة على الممرات المائية تضمن له التفوق في المنطقة وأثر ذلك في الدولة العربية المطلة على البحر العربي وخليج عدن ومضيق باب المندب مما يعرض الأمن القومي ليس لليمن فحسب بل لدول العربية كله للخطر بفعل ما يمتلكه من حجم الاسطول البحري والحربي فتكون اكبر القوى حجما واكثرها تهديدا في المنطقة عبر سيطرتها على احدى اهم الممرات المائية والتحكم في طرق الملاحة وطموحها في تحويل البحر الاحمر إلى بحيرة يهودية بالتدرج.
يأتي اهتمام الكيان الصهيوني بالجزر اليمنية ولا سيما سقطرى ضمن استراتيجية في السيطرة عليها والتحكم بمضيق باب المندب لتحقيق الاهداف الاستراتيجية والسياسية من خلال الاشراف على حرية الملاحة على طول الخط الملاحي الممتد من باب المندب إلى ميناء ايلات من خلال اقامة نقاط مراقبة بحرية على الجزر التي يراها مناسبة وانشاء قواعد عسكرية بحرية وحيوية في تلك الجزر ليستطيع هذا الكيان الانطلاق منها وفرض السيادة على مياه الجزيرة وسمائها فضلا عن مرونة التحرك التجاري والاقتصادي باتجاه الجنوب وعبر البحر العربي والمحيط الهندي بقصد التواصل مع دول جنوب شرق آسيا واستراليا وتضمن قدرته من مركز القوة إغلاق مضيق باب المندب في الوقت المناسب بوجه حرية الملاحة العربية والسيطرة التامة. وتاريخيا كانت تسعى الحكومة البريطانية لإقامة دولة اسرائيلية في جزيرة سقطرى وتوطين اليهود فيها لكنهم رفضوا اتمامها ورفضوا قيام دولة لهم في اوغندا لانهم يعلمون ان قيام دولتهم في هذه الاماكن لا يعطيهم البعد التاريخي والديني الذي بنوا عليه فكرتهم والدليل على ذلك وعد بلفور 1917م.

أهداف مشتركة
إن جزيرة سقطرى وانطلاقا من مبدأ انها جزء من السيادة والاستقلال لليمنيين فقد ارتبط مصيرها بمصير اليمن كاملا فهي تتأثر بشكل مباشر بالأحداث، فهي جزء لا يتجزأ من اليمن وكعامل مؤثر في استراتيجية اليمن بشكل عام، فإذا سيطرت الولايات المتحدة الأمريكية (الحليف الأول للصهاينة) على جزيرة سقطرى وباب المندب فأنها تكون قد طوقت منطقة الشرق الأوسط بأكملها لأن القواعد الامريكية توجد في المنطقة لاسيما في الخليج العربي والمحيط الهندي إلى جانب إن الحضور العسكري للكيان الصهيوني في جزيرة سقطرى يحقق له أهدافاً استراتيجية من خلال تأمين تواجده والقيام بعمليات الانزال البحري والاستطلاع والمراقبة والقيام بعمليات التموين البحري واقناع الغرب بقيمة دور الكيان الصهيوني في حماية مصالحها في المنطقة وضمان تدفق النفط إلى دول اوروبا الغربية.
فمنذ نهاية الحرب الباردة وضعت الولايات المتحدة الامريكية عينها على جزيرة سقطرى فموقعها يشجع على استغلاله في بناء نظام معلومات الاشارة للتنصت ومتابعة الاقمار الصناعية التي ترسل المعلومات عن الشرق الاوسط والاقصى وهو ما تعتزم تنفيذه, والجزيرة تقع بالقرب من الدول الافريقية ولا سيما دول القرن الافريقي وهذا يعطيها ميزة القرب من مركز الاحداث في المنطقة، وان انشاء قاعدة عسكرية امريكية في سقطرى هو جزء من عملية واسعة لعسكرة المحيط الهندي, فضلا عن تعزيز الدور الرئيسي الذي تضطلع به قاعدة ديغوغارسيا في المحيط الهندي، وهذا ما اكده (الفريد ماهان) للبحرية الامريكية قبل الحرب العالمية الاولى حيث اكد أن من ينال التفوق البحري في المحيط الهندي سوف يكون لاعبا بارزا على الساحة الدولية.

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا