إدارة بايدن وخياراتها المفتوحة

إدارة بايدن وخياراتها المفتوحة

بايدن يتعهد بانتهاج سياسة مغايرة للإدارات الامريكية السابقة لإرساء السلام
تعرضت المنطقة العربية إلى هزات عنيفة منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عندما سعت واشنطن إلى بناء تحالفات مع الأنظمة الرجعية العربية لضرب الكيانات الوطنية التي كانت تسودها

البرامج التنموية كقوة تغيير حافزة على النهوض والتقدم والاستقلال من الهيمنة الأجنبية والنفوذ الاستعماري والصهيوني واتجهت نحو النضال المشترك ووحدة المصير في برامجها لإقامة الوحدة العربية التي من شأنها أن تجعل العرب أمة ناهضة تساهم باندفاع في ركب الحضارة الإنسانية.

اختلال التوازنات السياسية
لكن محاولات الاستعمار ظلت قائمة لاختراق جدران التجزئة التي فرضها الاستعمار لإقامة مشاريعه الامبريالية الطامعة في السيطرة على موارد وثروات الوطن العربي ومصادرة المشاريع النهضوية وإرادة التحرر والاستقلال والوحدة والكرامة لتفتيته وإقامة الجدران الفاصلة بين أقاليمه وبين أجزاء الإقليم الواحد ومكوناته وتشجيع الوجود الصهيوني لإيجاد كتلة بشرية غريبة ومعادية للعرب في فلسطين وإثارة الصراعات والنعرات الطائفية والاقليمية بوسائل وأساليب شتى منها فكرة الدويلات الطائفية ونشر الانطباع بأن المنطقة العربية ليست سوى فسيفساء من قوميات وديانات غير متجانسة وبالتالي نفي وجود الأمة العربية التي تقف خلفها خريطة الإنتشار الأمني الواسع للدول الأجنبية التي كان يستعصى على الأنظمة الوراثية الثيوقراطية التأقلم والاندماج مع المشاريع القومية النهضوية والاستقلال السياسي فقد وجهت سهام حرابها لمواجهتها وتلاءمت مع الأجندات الاستعمارية في تغذية الصراعات الانقسامات داخل النخب الحاكمة التي أدت إلى اختلال التوازنات السياسية لصالح تحالفات استراتيجية دولية دفعت بها إلى موجة من  الانقلابات وتعميق الهيمنة والفساد في أغلب الأنظمة السلطوية وإنتاج الصراعات والحروب والأزمات التي أثرت في توازن القوى وعلى الخريطة الجيوسياسية وانعكاساتها على تغيير الأوضاع التي اجتاحت الشرق الأوسط مع الفراغ الإقليمي الناجم عن غياب القوى الفاعلة التي انكفأت نحو الداخل بفعل الضربات العنيفة التي تعرضت لها ضمن حلقات ضرب التوازن الاستراتيجي الذي كان يعتمد على ثلاث قوى إقليمية (السعودية- العراق- إيران) هذا النظام الثلاثي أبقى المنطقة على حالة من التوازن في القوة منذ انتهاء الاحتلال البريطاني في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات حتى أن الحرب العراقية الإيرانية 1980 - 1988م لم تتمكن من تغليب قوة على أخرى إلا أن خروج العراق من الثلاثية القطبية منذ سقوط دولة البعث في 2003 م تحول الإقليم إلى قطبية ثنائية وهو ما زاد من العبء الاستراتيجي على المنطقة التي تطوقها الأساطيل والقواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية على ذلك النحو لاستمرار الهيمنة والنفوذ ونهب الثروات ومشاريع التمزيق واللهو مع التاريخ من أفغانستان إلى العراق إلى سوريا ولبنان واليمن وليبيا لتتكرر المأساة ذاتها في حلقة اللاعبين الدوليين وعلى رأسها أمريكا التي تستعيد حضورها واعتبارها السياسي في شرعنة تدخلها بوصفها المنقذ من الأزمات التي تضرب بقوة في هياكل الأنظمة السياسية وتداعياتها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وترافقها مجموعة من العمليات اللوجيستية الحيوية التي تهيئ معطياتها للتدخلات الخارجية تحت مزاعم الإنقاذ أو التسوية أو التغيير لإعادة ترشيد الصراعات وتوجيهها وتحفيزها وفق تلك الصورة في ديناميكية الدمج التي تترسخ فيه قيم الكتل الفاعلة في الاغتيال المعنوي الممنهج لكبح عملية الاستقلال والتطور.

خلط الأوراق
ترى الإدارة الأمريكية إلى أن أفق الحرب في اليمن تستدعي خلط الأوراق إقليميا بإدارة حوارات لأزمات تحاول الربط بينها لتبدو فك شفرتها تتعلق باللاعبين الاقليميين في مقاربة لتسوية الأوضاع السياسية وانطلاقا من هذه الرؤية البرجماتية كان الرئيس "جو بايدن" الذي تقلد منصبه رسميا في 20 يناير الماضي قد وعد بانتهاج مقاربة بحراك سياسي في تقديم صورة مغايرة للإدارات الامريكية السابقة لإرساء السلام في منطقة الشرق الأوسط. ففي خطابه الذي ألقاه من مقر وزارة الخارجية في 4 فبراير الجاري استنكر بايدن الحرب على اليمن التي دخلت عامها السابع وقال إنها :"سببت كارثة إنسانية واستراتيجية".
ولم يكن هناك غلو في وصفه لكنه  بدا أكثر تناقضا في أقواله عندما قال بأن أمريكا ستدافع عن المملكة أي خلط هذا في تناقص المواقف مع لغة السلام وهو يعلم أن السعودية ارتكبت جرائم حرب جسيمة وتسببت بقتل عشرات الآلاف من المدنيين بالتوازي مع الدمار للبنية التحتية والحصار الاقتصادي الشامل لتدخل اليمن في أسوأ كارثة إنسانية جراء العدوان الذي دمر ونسف كل مقومات الحياة لتصبح اليمن واحدة من أكثر البلدان في العالم خطورة في الأزمة الإنسانية فضلا عن حجم الانتهاكات للقانون الدولي التي طالتها في ارتُكاب العديد من الجرائم البشعة بأسلحة أمريكية أضحت مثارا للجدل ومحفزا محتملا لنشوب حرائق على مستوى المنطقة.

شراكة في العدوان
وإذا قبلنا جدلا بصحة ما قاله "بايدن" وليس مجرد مناورة في فحوى خطابه المتناقض لحل مسألة السلام في اليمن وهو على نقيض ذلك ما يعني الإسناد والدفاع عن مصلحة حليفه في وحشية جرائمه التاريخية مهما حاولت أمريكا التنصل منها في واقعية شراكتها في العدوان على اليمن.
ولم تكن السعودية تريد أن تمسسها نيران الحرائق التي أشعلتها عندما وصلتها ألسنة اللهب ليرتفع صياحها وعويلها ونواحها في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي منذ أن بدأت الضربات تطال منشآتها الحيوية وقواعدها ومطاراتها العسكرية وهي ردود على هجماتها لقتل المدنيين اليمنيين فهل تستوعب السعودية صبيانية أفعالها ونزقها السياسي الذي تجاسر على سفك دماء اليمنيين دون خشية من العواقب التي ستطالها.؟
كان فريق "ترامب" قلقا من أن الجيش السعودي يفتقر إلى القدرة على شن حرب دقيقة بإستخدام معدات عسكرية أمريكية الصنع وفي نهاية المطاف انتهى الأمر إلى السعي لتوفير الغطاء السياسي والاستخباراتي والدعم التشغيلي للرياض إلى جانب التدفق المستمر للأسلحة إلى حد إدارة عمليات التحالف الذي تقوده السعودية في نشاط مباشر لإدارة الحرب.
ومنذ أواخر العام 2016م بعد عام ونصف من التدخل السعودي كانت الخسائر في صفوف المدنيين تتزايد وظل النصر العسكري الحاسم بعيد المنال بالنسبة للسعودية والامارات في ظل جهود وساطة الأمم المتحدة التي كانت تتعثر دوما.
وفي ديسمبر 2016م أوقفت الإدارة الأمريكية بيع بعض الصواريخ الموجهة بدقة تعبيرا عن القلق بشأن الخسائر المدنية الناجمة عن الضربات الجوية السعودية ومع ذلك كان فوز "دونالد ترامب" في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في ذلك العام إشارة للمسؤولين في الرياض وحكومة "هادي" إلى أن الضغط الأمريكي سيزداد ضد الحوثيين وأظهر العديد من مسؤولي إدارة "ترامب" ميلا إلى دعم السعودية بصفقات الأسلحة كجزء من حرب شاملة ضد اليمن.

انتقادات متزايدة
لكن سلوك السعودية في أماكن أخرى كان يثير انتقادات متزايدة في واشنطن وخاصة بعد مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" في إسطنبول بالإضافة إلى العديد من الانتهاكات لحقوق الإنسان وكان العديد من الدبلوماسيين والمسؤولين الأمريكيين متشككين من قدرة الدعم الأمريكي على ترجيح كفة الصراع لصالح السعودية.
ووسط ضجة الكونجرس بشأن مقتل "خاشقجي" والتحذيرات من مجاعة محتملة في اليمن تدخل وزير الدفاع آنذاك "جيمس ماتيس" في ديسمبر 2018م لزيادة الضغط لهجوم كبير بقيادة الإمارات على ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيون ويعتبر شريان الحياة الاقتصادي والإنساني لملايين اليمنيين.
وتراجعت اليمن في قائمة الأولويات الإقليمية للولايات المتحدة منذ العام 2019م إلى أن صنف وزير الخارجية المنتهية ولايته "مايك بومبيو" الحوثيين وكبار قادتهم على أنهم إرهابيون في الأيام الأخيرة للإدارة وبدلا من تقديم مبادرة سياسية مستدامة كان التصنيف هدية وداع للرياض وأزمة مغلفة موجهة إلى إدارة "بايدن" لما للإجراء من عواقب وخيمة محتملة على الوضع الإنساني في اليمن.

الخوف من فتح الملفات الإنسانية
كانت إدارة أوباما وترامب قد أيقنت بخسارة المعركة وفشل التحالف في تحقيق أهداف العدوان ليأتي بايدن لتغيير هذه الاستراتيجية من منظور آخر بإنهاء الدعم الأمريكي للعمليات الهجومية في العدوان على اليمن بما في ذلك مبيعات الأسلحة ذات الصلة في الوقت الذي تراجعت فيه إدارة بايدن عن القرار الذي اتخذته إدارة "ترامب" في اللحظة الأخيرة لتصنيف الحوثيين جماعة إرهابية وتزامنت هذه الخطوات مع تعيين الدبلوماسي "تيموثي ليندركينج" مبعوثا خاصا لإدارة بايدن إلى اليمن وهذه الخطوات أثارت حفيظة  السعودية لكنها آثرت تجنب الصدام مع بايدن خوفا من فتح الملفات الإنسانية المثقلة فيها ومع ذلك تبقى الكثير من النتائج تعتمد على تفاصيل سياسته فإذا قامت أمريكا  بإيقاف صفقات السلاح وتدفق القنابل "الذكية" وليس بطرق إلتوائية عبر أي دولة في المنطقة قد تنسف صحة أقواله وقد تشير إلى اعادة تدوير الصراع بطرق مختلفة طالما ولدى السعودية ما يكفي من مخزون استراتيجي كبير لتدمير قارة بكاملها فهي من أكبر المستوردين للسلاح في العالم وفقا لأرقام جمعها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام وحوالى ثلاثة أرباع هذه الواردات جاءت من أمريكا وأخرى من بريطانيا وتمكنت السعودية كحصيلة سنوات من الإنفاق الباذخ من امتلاك ترسانة كبيرة من الأسلحة الحديثة في أكبر مخزون احتياطي في منطقة الشرق الأوسط .

أفكار جديدة
وإذا صحت إيقاف "بايدن" صفقة بقيمة 478 مليون دولار لشراء 7500 قنبلة دقيقة التوجيه التي تم الإعلان عنها في الأيام الأخيرة لإدارة "ترامب" ولم تصل للسعودية قبل ذلك ولا قبل أيام كما تشير بعض وسائل الإعلام أن هناك صفقات من الأسلحة للسعودية تمرر عبر مصر ذلك أن السعودية ستظل معتمدة على الأمريكان في كل شيء حتى في تحديد الأهداف في ساحة المعركة وإلى صيانة معداتهم وإذا توقفت أمريكا عن صيانة الطائرات السعودية فقد تتأثر 50% من القوات الجوية للمملكة حسب تقديرات "توم بيكيت" من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
قال "بايدن" في مناظرة رئاسية إبان حملته الانتخابية إنه سيعامل السعودية على أنها "منبوذة" لكن هذا غير محتمل فقد تكون واشنطن غاضبة من الرياض لكنها لا تزال منتجا كبيرا للنفط وشريكا استخباراتيا مفيدا فـ"بايدن" لا يستطيع قطع العلاقات مع السعودية بهكذا بساطة ومع ذلك لا يمكنه تجنب المواجهة إذ يخطط "بايدن" لإعادة الدخول في الاتفاق النووي مع إيران ومن المحتمل أنه سيواصل انتقاداته لسجل حقوق الإنسان في المملكة ويبدو أن تلك الإشارات قد ساعدت على إطلاق سراح الناشطة "لجين الهذلول" في 10 فبراير الجاري.
لقد جلبت الإدارة الجديدة معها طاقة جديدة وأفكارا حول كيفية إنهاء الصراع ومعالجة الأزمة الإنسانية وأكد "بايدن" وكبار مستشاريه أنهم سيحاولون إعادة ضبط علاقة واشنطن بالرياض والعودة إلى الدبلوماسية مع إيران من خلال العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة "ترامب" عام 2018م فهل تنجح الخارجية الأمريكية في إدارة الملفات الاقليمية المختلفة لتحقيق تأثير تكاملي مع الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران ؟

 مسعى دبلوماسي جديد
إحلال السلام في اليمن هو أمر تعتقد الإدارة أنه سيكون أسهل الآن بعد أن أخرجت نفسها بوضوح من الحرب ويعد الموقف الأمريكي الجديد بشأن اليمن تحولا مرحبا به بعد موقفها الغامض على مدى الأعوام الـ 6 الماضية التي شهدت دعوة واشنطن للسلام أثناء مشاركتها في الحرب ويعتبر هذا الموقف الجديد إشارة قوية على التزام حملة "بايدن" بوضع الدبلوماسية في المرتبة الأولى في السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي تنطلق من إنهاء الدعم العسكري للسعودية في الحرب على اليمن والإعلان عن مسعى دبلوماسي جديد لإنهاء الصراع الذي ينبغي أن يُنظر إليه على أنه مرادف لإحلال السلام في اليمن فبينما يجب على إدارة "بايدن" أن تسعى إلى إنهاء الحرب لتخفيف الأزمة الإنسانية أن تضع في اعتبارها إعادة تطبيع الأوضاع ورفع الحصار وفتح الموانئ والمطارات وإيجاد سياسة نقدية موحدة وصرف الرواتب واطلاق سراح الاسرى وتهيئة المناخات للحوار بين فرقاء العملية السياسية.
ويبقى التحدي الأبرز الذي سيواجهه "بايدن" هو العثور على مسار ينغمس فيه استجابة لدوافع المملكة في تعزيز نفوذها وهيمنتها وتدخلاتها في شؤون دول المنطقة وفرض وصاياها التي تمس كيانات الدول.